144…3 - عصبية الموطن أو الأرض هذا التنظيم، المرتكز على توجيه العصبية للتعلق بحب الوطن. يعد مرحلة النضوج النهائية في مراحل التنظيمات القبلية في المجتمع المدني، الرامية إلى تعويد القبائل على التخلي - تدريجيًا - عن العصبية القبلية - كما استعرضنا ذلك في الفقرات السابقة - والهادف في النهاية إلىتوجيه الطاقة العصبية نحو اهتماما أكبر وأعظم مثالية، كالاعتزاز بالأرض، والافتخار بأهلها والتعصب للمدينة - بادئ الأمر - والتي أصبحت مع ظهور الإسلام، تجمع شتى القبائل والأجناس، كما هو الحال في المدينة المنورة (1) ، أو الكوفة والبصرة، اللتين حوتا إلى جانب ذلك، كثيرًا من النحل والأديان (2) ، وأصبح أهل كل منهما يتفاخرون بالعلم والعلماء ويتعصب أهالي كل مدينة لعلمائهم وفقهائهم وادبائهم (3) . وسوف نتعرف على طبيعة ذلك التطور أوالتحول لدى القبائل والذي صرف حماسهم التعصبي، من التعصب للقبيلة إلى الأرض أو المدينة. وذلك من خلال التعرض بالبحث لمظاهر التنظيم الوطني الذي قام على أسس يمكن إجمالها فيما يلي: أ- نسبة القبائل إلى مواطنهم لقد أظهر الرسول صلى الله عليه وسلم مواقف إدارية وسياسية برهنت - بمالا يدع للشك مكانًا - أنه خير من كان يعرف طباع العرب وعصبيتهم للقبيلة. ومن أجل ذلك سايرهم وتآلف زعماؤهم بالحلم والملا، وعاملهم، مراعيًا مفهومهم الذي يرى أن العصبية القبلية أقوى رباطًا من المواطنة والمشاركة في الدار والمال ونحو ذلك (4) . على أنك تجد - فيما بعد، لدى المسلمين في العهد النبوي - تحولًا عن تلك النظرة للعصبية، إلى دعوة لجعل الأرض في منزلة حب القبيلة أو أزيد من ذلك. فقد ذكر أن أحد موالي الرسول صلى الله عليه وسلم وقع من عذق فمات. فقال الرسول (ص) : انظروا رجلًا منأرضه فاعطوه ميراثه (5) . وذلك توجيه من الرسول صلى الله عليه وسلم، يبين ما للأرض من عظيم القدر والتفضيل، إلى درجة أن أهلها يتوارثون إذا لم يكن للميت عصبة أو أهل. وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، حين قدم رجل من حمير ثم مات ولم يجدوا له وارثًا مسلمًا فدفعوا ميراثه إلى رجل من أهل اليمن، من همدان (6) ، ولم يدفعوه إلى رجل من الشام أو اليمامة مثلًا.…
(1) انظر: الباب الأول، عناصر السكان. (2) الزبيدي (د. محمد حسن) : الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة، ص39 (القاهرة، 1970م) . نافع (عبدالمنعم صالح) : الحياة السياسية ومظاهر الحضارة في الشرق الإسلامي، ص157. (رسالة ماجستير لم تطبع) . (3) نافع (عبدالمنعم صالح) : نفس المكان. (4) ابن حجر: الإصابة، جـ3، ص404. (5) ابن حجر: الإصابة، جـ3، ص633. (6) ابن حجر: نفس المصدر، جـ3، ص551 - 552.