الصفحة 56 من 287

ثانيًا: أهمية موقع المدينة الاقتصادي بين الشمال والجنوب

حرص معظم مؤرخي المدينة على الإشارة إلى قدم العمران وسكنى الناس بها (1) . كما أجمعوا في كتاباتهم على أن الصراع والتنافس بين سكنها العرب وبين جيرانهم اليهود كان قديمًا، واستمر إلى ما قبل الإسلام (2) . وقد كانت يثرب، إضافة إلى أنها واحة خصيبة التربة ومن أمهات المراكز الزراعية، فهي واقعة على طريق القوافل التجارية التي تحمل الطيوب بين اليمن والشام (3) . وذلك الموقع قد جعل من يثرب مطمعًا للقوى المتنافسة حينذاك. وهو ما كان يحرك روح العداء ويثير الحروب سواء بين العرب واليهود من جهة أو بين الأوس والخزرج أنفسهم. ونتيجة - فيما نرى - لتلك الأهمية السياسية، فقد تمتعت المدينة - قبيل الإسلام - بمركز اقتصادي مرموق في مجالات التجارة والصناعة. فأصبحت بذلك محطة تجارية هامة للتجار العائدين إلى الشام والشرق من الحجاز واليمن (4) . ولم يقتصر الأمر في المدينة على ازدهارها التجاري الخارجي. بل إن التجارة الداخلية فيها كانت نشطة ومزدهرة. ودل على ذلك ما ذكر من كثرة أسواقها ومتارجها (5) . وكان التعامل فيها كبيرًا بين أهلها وبين من يفد عليهم من جيرانهم (6) .…

(1) السمهودي: الوفاء، جـ1، ص159 العدوى: أحوال مكة والمدينة، جـ2، ورقة 111، البتنوني: الرحلة الحجازية (الطبعة الثانية، القاهرة، 1329هـ) ، ص252. (2) السمهودي: المصدر السابق، جـ1، ص159، العدوى: المصدر السابق، جـ2، ورقة 111، ابن النجار: الدرة، ص9. (3) ابن إسحاق: السيرة، جـ3، ص788، اليعقوبي: البلدان، ص68، وما بعدها، السمهودي: المصدر السابق، جـ1، ص170 - 171، حتى: تاريخ العرب، جـ1، ص146. (4) ابن إسحاق: المصدر السابق، جـ2، ص300، البلاذري: فتوح البلدان. جـ1، ص41 - 42. (5) السمهودي: الوفاء، جـ2، ص747 وما بعدها. (6) أنظر: الشريف: مكة والمدينة، ص365. ويمكن الاستدلال على أهمية النشاط التجاري في المدينة من اهتمام القرآن الكريم بأمر البيع وتنظيمه وسن قوانينه حيث قال تعالى:"وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون". سورة البقرة: 275. والربا: هو الزيادة على الشيء. وكانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني. فيؤخر عنه. (انظر: الطبري: جامع البيان، جـ3، ص101) . كما قال تعالى في أمر البيع"ويل للمطففين"فأحسنوا الكيل. (انظر: الطبري: نفس المصدر، جـ30، ص90 - 91) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت