152…قوي جانبهم وأصبح لهم مركز سياسي في المنطقة، اتخذوا الديار والأموال وتفرقوا في عالية المدينة وسافلها، فمنهم من جاء عفا من الأرض لا ساكن فيه فنزله، ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها واتخذ الأموال والأطام (1) . وتعد تلك المواضع التي سكنها كل من الأوس والخزرج واليهود، وخصوصًا الأجزاء الجنوبية في نواحيها الشرقية والغربية، وهي المعروفة بالعوالي وقباء والعصبة، من أكبر مناطق المدينة في الكثافة السكانية وفي وفرة المياه والمزارع (2) ، إذ يتخللها شبكة جيدة من الأودية - كما مر بنا - مثل وادي مهزور، من الشرق ووادي مذينيب، من الجنوب الشرقي، ووادي رانوناء من الجنوب وجزء من وادي بطحان، حيث يلتقي بتلك الأودية في اتجاهه نحو الشمال الغربي للمدينة (3) . ولا ريب أن وجود تلك الأودية والآبار في جهات العوالي وقباء والعصبة، كان من العوامل الرئيسية في تركز معظم السكن هناك وممارستهم للزراعة، بشكل كبير (4) . وقد ذكر أن خطط المدينة، حين قدم الرسول صلى الله عليه وسلم، مهاجرًا، كانت تبلغ تسعًا، كل دار مستقلة بمساكنها ونخيلها وزروعها وأهلها، وكل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا في محلتهم، وهي كالقرى المتلاصقة (5) . ووصفت أيضًا بأنها أبيات مجتمعة، تجاوز حد القرى كثرة وعمارة، ولم تبلغ حد الأمصار (6) . وتمشيًا مع ما نعتقده أنه يمثل التجمعات الكيبرة للأنصار وخططهم، سنرتب دورهم حسب ذلك، مبتدئين بالجهات الشرقية ثم الجنوبية، وأخيرًا الجهات الغربية. وعلى ذلك يكون تفصيل دور الأنصار المذكور على النحو التالي:
1 -دار بني عبد الأشهل، وتشمل منازل بني عبد الأشهل بن جشم بن الحارث، ومنازل بني حارثة بن الحارث، ومنازل بني ظفر. وجميعهم من الأوس.…
(1) العدوي: أحوال مكة والمدينة، جـ2، ورقة 113، السمهودي: المصدر السابق، جـ1، ص190. (2) المرجاني: تاريخ هجرة المختار، ورقة 160 (مخطوط بمكتبة عارف حكمت بالمدينة) ، الديار بكري: تاريخ الخميس، جـ1، ص336. السمهودي: المصدر السابق، جـ1، ص177 - 178. (3) أورد المطري في وصفه لبعض أودية المدينة نصًا يقول فيه:"وادي رانوناء يأتي من شمالي جبل عير المذكور إلى غربي مسجد قباء موضع يعرف بالعصبة، وهي منازل بني جحجبا من الأوس، ينتهي إلى مسجد الجمعة، منازل بني سالم بن عوف من الخزرج، ثم يصب في بطحان، ثم وادي جفاف وهو أعلى موضع بالعوالي شرقي مسجد قباء، ثم وادي مذينيب وهو شرقي جفاف فوق مسجد الشمس المعروف قديمًا بمسجد الفضيخ، ثم يصبان في بطحان يلتقيان هما ورانوناء ببطحان، فيمران بالمدينة غربي المصلى، ويصلان إلى مساجد الفتح سيلًا واحدًا، ويلتقي هو والعقيق عند بئر رومة. ثم وادي مهزور وهو أيضًا شرقي العوالي شمال مذينيب ويشق الحرة الشرقية إلى العريض". (انظر: التعريف، ص63) . (4) لوحظ أن الطابع التجاري والصناعي يكاد يميز الجهات الشرقية للمدينة عن غيرها. إذ توجد هناك معظم أسواق المدينة ومحلات الصاغة. (انظر: المطري: نفس المصدر، ص19 - 20، وانظر أيضًا: الشريف: مكة والمدينة، ص288) . (5) ابن كثيرك البداية والنهاية، م2، جـ3، ص203. (6) كبريت: الجواهر الثمينة، ورقة 7.