الصفحة 79 من 287

40…بختنصر حين اكتسح ديارهم في الشام (1) . فقد صاحب هجرة اليهود إلى ظهور خلاف بينهم وبين بني عمومتهم في الشام وهذا نستخلصه من حديث ابن شبه حين ذكر أن موسى وهارون أقبلا حاجين فمر بالمدينة، فخافا من يهود، فخرجا مستخفيين (2) . وبصرف النظر عن صحة تلك الرواية إلا أنها تظهر أن هجرة اليهود إلى المدينة كانت نتيجة أن من مصلحتهم كأقلية ليس لها سند خارجي، الاندماج - ولو نسبيًا - في محيطهم الجديد لامتصاص ما قد ينشأ من رد فعل كثيرًا ما يقابل به الغرباء من قبل أهل البلاد الأصليين. أما بالنسبة للرواية، التي تذكر أن هجرة اليهود إلى يثرب إنما كانت لإيمانهم بظهور نبي عربي منعوت في كتابهم، وأنه يظهر في بعض هذه القرى العربية، في قرية ذات نخل (3) ، وأن اليهود يرجون أن يلقوا هذا النبي فيتبعونه (4) . فإنها تجعلنا نعتقد أيضًا، أن اليهود، وقد آمنوا بأن هذا النبي سيظهر في بلاد عربية، فهو - ولا ريب - لابد أن يكون - في اعتقادهم - عربيًا أو على الأقل لسانه عربيًا. وعلى ذلك فلا غرابة أن يهيئوا أنفسهم ويربوا صغارهم على التشبع بالعادات والتقاليد العربية لينالوا الحظوة لدى هذا النبي المنتظر. وهذه المرونة، الشاذة عن طبع اليهود، والخروج عن تقاليدهم المتزمتة التي لا تشجع - عادة - على الاختلاط بغير جنس اليهود، قد تجعلنا نعتقد أنها من عوامل دخول بطون بني قريظة وبني النضير، والذي ذكر أنهم من قبيلة جذام العربية (5) ، كما أنها أيضًا، منعوامل دخول سواهم من العرب في الدين اليهودي، وبالتالي الهجرة إلى يثرب. ويبدو أن تساهل يهود يثرب وخروجهم على بعض أحكام التلمود (6) ، بالإضافة إلى الوضع غير المستقر في الشام، حيث ظهر الروم عى تلك البلاد وفتكوا بالعبرانيين، قد جعل منطقة يثرب مركز جذب لليهود، احتماء بمن كان بالحجاز من بني إسرائيل (7) . والغالب على طبيعة الهجرات اليهودية الأخيرة إلى يثرب أنها هجرات صغيرة أو على شكل عائلات ولذا فإنهم يحتمون بغيرهم من القبائل اليهودية ويساكنونهم. ومن أولئك بنو القصيص وبنو ناغصة وبنو هدل بنو عمرو وبنو معاوية وبنو زعوراء وبنو زيد اللات وبنو حجر وبنو ثعلبة وأهل زهرة وبنو مرايه (8) .…

(1) انظر: جواد: المفصل، جـ6، ص517 - 518. (2) السمهودي: المصدر السابق، جـ1، ص161. (3) السمهودي: نفس المصدر، جـ1، ص160. (4) السمهودي: نفس المكان. (5) اليعقوبي: تاريخ، جـ2، ص49، 52. (6) ولفنسون: تاريخ اليهود، ص13. (7) السمهودي: الوفاء، جـ1، ص160، جواد: المفصل، جـ6، ص518. (8) السمهودي: المصدر السابق، جـ1، ص160 - 164. وقيل أن بني ناغصة حي من اليمن كانت منازلهم شعب بن حرام حتى نقلهم عمر بن الخطاب إلى مسجد الفتح. (انظر: السمهودي: نفس المصدر، جـ1، ص163) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت