فإذا بدأت الحوارات والمناظرات ، سينتشر هذا الشر ويصبح من كان ينكر عليهم في الماضي يقف الآن بعد معرفة حججهم ، موقف الصامت على أقل تقدير ، وبعضهم يحتج على ذلك بمناظرة ابن عباس للخوارج الأولين ، وليس في ذلك حجة كما سيأتي ، فالخوارج الأولون لم يعرفهم إلا آحاد الصحابة ومنهم علي رضي الله عنه ولم تكن شبهاتهم معروفة أيضًا لذلك ناظرهم ابن عباس مع أن على أوصاه إلا يحدث شيئًا حتى يأتي هو لمناظرتهم ، فشتان بين الحالين ، ولذلك كان السلف ينهون عن مناظرة أهل البدع إذا كان الحق ظاهرًا ، وهذا لا يخالف مناظرة بعض السلف لأهل البدع لأن القصد من النهي ، الحيلولة دون نشر شبههم وتوسيع دائرة البدعة ، فإذا أمن هذا الجانب فلا بأس من المناظرة .
قال شيخ الإسلام (درء التعارض 7/170) :"فإن الحق إذا كان ظاهرًا قد عرفه المسلمون وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته فإنه يجب منعه من ذلك ، فإذا هجر وعزر كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيغ بن عسل التميمي وكما كان المسلمون يفعلونه أو قتل كما قتل المسلمون الجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهما كان ذلك هو المصلحة بخلاف ما إذا ترك داعيًا وهو لا يقبل الحق إما لهواه وإما لفساد إدراكه فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدة وضرر عليه وعلى المسلمين"
ثم قال"والمقصود أن الحق إذا ظهر وعرف وكان مقصود الداعي إلى البدعة إضرار الناس قوبل بالعقوبة ، قال الله تعالى {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } (16) سورة الشورى".