فهرس الكتاب
ويُهرع أبو بكر - أبو بكر لا غيره - ليعالج الموقف الذي استجد - وكان أعظم من سابقه- ويحسم الفتنة قبل أن تنطلق. إنها (أكبر مشكلة تواجه الدول الناشئة وتهددها بالزوال أو الانقسام وهي ولاية الأمر بعد المؤسس الذي غادر الحياة) .
ولو لم يعالج أبو بكر بحكمته الموقف الأول، ويسارع - بحكمته أيضًا وحنكته - إلى علاج الموقف الجديد لظل الصحابة يضطربون في مسجدهم، ويتأوهون لهول مصابهم، ولبايع الأنصار سعدًا وقضي الأمر وهم ينظرون لا يعرفون ماذا يفعلون!
ولو حدث ذلك لتفرق الصحابة فِرَقًا ، فإن سعدا ليس ممن تجتمع عليه القلوب، وليس هو المؤهل لأن يخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وله معارضون حتى من الأنصار أنفسهم ! بل الذي جاء إلى أبي بكر بالخبر رجل من الأنصار. وأما المهاجرون فلا يتوقع أن يرضوا به أميرًا، ولا العرب في الجزيرة يمكن أن يخضعوا لرجل من غير قريش. فماذا ستكون النتيجة؟!
إن النتيجة المتوقعة هو التفرق والتشرذم. وقد تكون القضاء المبرم على دولة الإسلام وهي في مهدها ! لأن الجزيرة العربية قد انتقضت إلا أقلها. ومن ثبت على دينه وموقفه كمكة المكرمة والطائف قد لا يغني كثيرًا عن العاصمة لبعد المسافة وبطء وسائل المواصلات. فإذا افترضنا أن أهل العاصمة قد اختلفوا وتفرقوا فمن للأمة؟ والأمة قد ضربت في صميمها ومركز قيادتها، والخارجون على أبوابها، والفرس قد دخلوا البحرين! [1] والروم صاروا يفكرون في التحرك استغلالا للظرف الجديد !!
ولكن أبا بكر يتمكن - وبسرعة خاطفة - من القضاء على هذه الفتنة التي كادت أن تقع، وقبرها في مهدها وأنقذ الأمة من الانزلاق إلى بحر من الفتن لا ساحل له !
ب. مواجهة حركة الخروج والارتداد في الجزيرة
(1) أمد الفرس المرتدين في البحرين بتسعة آلاف. وكان عدد المرتدين ثلاثة آلاف والمسلمين أربعة آلاف / فتوح ابن أعثم ص47. نقلًا عن كتاب (أبو بكر الصديق) لعلي محمد الصلابي ص281.