فهرس الكتاب
اتخاذ قرار القتال
أما الشعبة الثالثة من شعب الفتنة الداخلية فهي حركة الارتداد التي اجتاحت الجزيرة العربية.
يقول العقاد: (وجاءت حروب الردة التي هي مفخرة أبي بكر الكبرى غير مدافع أو هي مفخرته الخاصة التي انفرد بها في تاريخ الدعوة الإسلامية بغير شريك .. ولقد أكثر المؤرخون من الكتابة عن حروب الردة ما لم يكثروا قط في حادث من حوادث صدر الإسلام وكانوا على حق حين وازنوا بين دعوة الإسلام الاولى في مقاومة الشرك ودعوة الإسلام الثانية في مقاومة الارتداد ، فإنما كانت الغلبة على فتنة المرتدين فتحًا جديدًا لهذا الدين الناشئ كإنما استأنفت الدعوة اليه من جديد .. إنها أصدق امتحان للدعوة المحمدية خرجت منه دعوة من الدعوات.
فإذا كانت فتنة الردة قد كشفت عن زيغ الزائغين وريبة المرتابين فهي قد كشفت كذلك عن الإيمان المتين والفداء السمح واليقين المبين فحفظت للناس نماذج للصبر والشجاعة والإيثار والحمية تشرق بها صفحات الأديان، وجاءت الشهادة الأولى على لسان رجل من أصحاب طليحة سأله: ويلكم ما يهزمكم ؟ فقال له: أنا أحدثك ما يهزمنا، إنه ليس رجل منا إلا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله. وإنا لنلقى قومًا كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه !
... تلك فتنة الردة .. قابلها أبو بكر - رضي الله عنه - بأحزم ما تقابل بها من مبدئها الى منتهاها، وعالجها علاجها في كل خطوة من خطواتها وفي كل ناحية من نواحيها. فبادرها بالحزم من صيحتها الأولى وتعقبها بالحزم يومًا بعد يوم وساعة بعد ساعة حتى أسلمت مقادها وثابت الى قرارها.