فهرس الكتاب
وأحزم الحزم في تلك الفتنة عقابه للمرتدين الذين مردوا على العصيان ولم يستجيبوا نصيح المودة ولا استجابوا نذير الجزاء. فقد كان العقاب أليق شيء بالوزر الذي اجترموه ومردوا عليه: أناس قد استوهنوا سلطان الدين وبخلوا بالمال فبلغ من شحهم به أنهم أنكروا حقوق الدين كله في سبيل حصة من الزكاة فجزاؤهم ان يشهدوا من باس ذلك السلطان ما يعتبرون به ولا ينسونه مدى الحياة، وأن يفقدوا المال الذي من أجله تبادروا الى الفتنة واستبقوا الى العصيان فاستبيحت ديارهم ومراعيهم ومساقيهم، ووهبت عطاياهم للمجاهدين، ولان خالد في بعض المواقع وأبو بكر الوديع الرفيق لا يلين !!
ووضع القصاص فيمن تجاوزوا منع الزكاة الى قتل المسلمين بين ظهرانيهم فلم تأخذه فيهم هوادة بعد إصرارهم على العصيان، واعتدائهم بالقتل وإعراضهم عن النصيح والنذير.
جزاء حق لأنه من جنس العمل:
استهانة يقابلها بأس، وبخل بالمال يقابله ضياع للمال، ونفس بنفس. ومجاهدون مخلصون يؤثرون الإيمان على عروض الدنيا أخذًا
بثأرهم من عصاة غادرين يؤثرون عروض الدنيا على الإيمان.
قال أبو رجاء البصري: دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين ورأيت رجلًا يقبل رأس رجل ويقول له: أنا فداؤك ولولا أنت لهلكنا.
قلت: من المقبِّل ؟ ومن المقبَّل ؟ قالوا: هو عمر يقبل رأس أبي بكر في قتال أهل الردة إذ منعوا الزكاة حتى أتوا بها صاغرين ..
وقد شاء القضاء أن يكون أبو بكر بطل الإسلام في حروب الردة غير مدافع فهو صاحب الشرف الأول بين ذوي الرأي وذوي العمل في تلك الحروب وكأنما عمر قد وضع بشفتيه شفاه المسلمين جميعًا على ذلك الرأس الجليل يوم انحنى عليه بالتكريم والتقبيل. [1]
تفرد في استخراج الرأي الفقهي واتخاذ القرار العسكري
(1) مقتطفات من كتاب عبقرية الصديق لعباس محمود العقاد - أُنظر موضوع الصديق والدولة الإسلامية.