فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 176

ولئن كانت رحمة الله وحكمته قد فتحتا لنا باب الجنة بإحصاء تسعة وتسعين اسما من أسمائه تعالى فقط؛ فذلك لأن التأثر بها والتأسي بموحياتها كافيان لتعديل سلوك المرء وتقويمه وأطره على ما يرضي الله ويقرب إليه، وإلا فالأسماء الحسنى المقدسة لا يحصرها إدراك ولا يحدها عد.

إن معرفة أسماء الله وصفاته المحصورة في هذا العدد ميسرة لمن أراد وإلا لما تعبدنا بإحصائها؛ لذلك فالكل يدخل الجنة إلا من أبى ورفض، لكن هذه المعرفة تتفاوت مقاديرها من شخص إلى شخص، فالذي يقر بلسانه أن الله قادر وعالم ليس كمن شاهد عجائب آياته في ملكوت السماوات والأرض وخلق الأرواح والأجساد، ورأى آيات الله في نفسه وفي الآفاق ممعنا في التفصيل، مستقصيا دقائق الحكمة ومستوفيا لطائف التدبير، وليس من فعل هذا فقط كمن أضاف إليه تعديلا لسلوكه ومنهج حياته بما يناسب هذه المعرفة، فطابت نفسه وعلت همته وتسامت أخلاقه يوما بعد يوم.

إن الإيمان اعتقاد وقول وعمل وإن العبادة التي خلقنا من أجلها يشترك فيها القلب بالاعتقاد واللسان بالإقرار والجوارح بالعمل، ألم تر إلى الذي كان يصلي ويعبث بلحيته فقال عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه".

كذلك الأسماء الحسنى التي تعبدنا الله بإحصائها لابد فيها من اعتقاد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.

إن كل اعتقاد سليم يجب أن يظهره الإقرار الصريح، وكل اعتقاد وإقرار لابد أن يصدقهما العمل الصالح والسلوك السليم، وإلا فالأمر زيف وانحراف وادعاء وإسراف.

ذلك أن الذي يكتفي بفهم معاني أسماء الله تعالى ليس إلا كأي عالم لغوي من أي دين، أو بدون دين.

والذي يعتقد بقلبه دون إقرار وعمل، لا يخرج كثيرا عن دائرة المغضوب عليهم من الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت