الصفحة 23 من 82

فقد ظلت"اليهودية التلمودية، القائمة على مبادئ وفكر الفريسيين والكتبة، مسيطرة على حياة جل الجماعات اليهودية منذ دمار ما سُمى الهيكل الثاني عام 70م، وحتى ظهور حركة التنوير وعمليات التحرير في أعقاب عصر الإحياء الأوربي، وانبثاق حركة الإصلاح اليهودية في بداية القرن التاسع عشر، ومنذ مطلع القرن التاسع عشر أصبحت"اليهودية التلمودية"تعرف باسم"اليهودية الأرثوذكسية"، وأضحى روادها يشكلون دعاة"التيار الأرثوذكسي"، الذي أمسى يشكل أحد التيارات الرئيسية في الديانة اليهودية في العصر الحديث. [1] "

فقد كان عزيرًا على اليهودية الأرثوذكسية - وقد سيطرت على حياة جل الجماعات اليهودية في العالم منذ مطلع القرن الأول الميلادي - أن ترى دعاة الإصلاح والاندماج يهددون حصونها ويزعزعون سلطتها ونفوذها، فما كان من روادها إلا أن هبوا مدافعين عن فكر الانعزال والانغلاق وعن أسوار الغيتو، رافضين أية تغييرات تجاري مقتضيات العصر، ومحرّضين أتباعهم على مناوأة كل دعاوى العلمانية والانصهار، كيف لا وقد اعتبر رواد الأرثوذكسية أنفسهم أوصياءً على التوراة، وأمناء على تعاليمها، وحملة الرسالة اليهودية الصحيحة. [2]

لقد اعتبر دعاة الأرثوذكسية أن محاولات الإصلاحيين تعديل اليهودية لتلائم وتواكب مقتضيات العصر مخالفة واضحة للقوانين والتقاليد الدينية اليهودية، ومن هنا حذّر هؤلاء من مخاطر الخروج من الغيتو على الحياة والديانة اليهوديتين، وقد رأى العديد من الأرثوذكس وعلى رأسهم الرابي"حزقال لانداو" (1713 - 1793) أن الانفتاح على الثقافة الحديثة سيؤدي إلى اندماج اليهود، بل وإلى اعتناقهم المسيحية في نهاية المطاف. [3]

كما عارضت اليهودية الأرثوذكسية الحركة الإصلاحية وسعيها الدؤوب لتعديل نصوص الكتاب المقدس بما يلائم قيم المجتمعات الأوربية الحديثة؛ فإنها وقفت بالمرصاد أيضًا لفكر التيار المحافظ، ذلك أنها اختلفت معه حول إمكانية إدخال تعديلات على القانون اليهودي، ففي الوقت الذي يرى فيه المحافظون أن هناك إمكانية لإدخال بعض التغييرات على القانون الديني في ضوء حاجات الشعب اليهودي الحالية، فإن الأرثوذكس عارضوا دومًا مثل هذه التغييرات. [4]

"كان أول من قدّم الموقف الأرثوذكسي وشرحه ودافع عنه هو الحاخام شمشون رفائيل هرش (1808 - 1888) ، ولد هرش في هامبورج بألمانيا لأب عارض تأسيس الكنيس"

(1) انظر: صلاح الزرو، المتدينون في المجتمع الإسرائيلي، مرجع سابق، ص86.

(2) انظر: عبد الفتاح ماضي، الدين والسياسة في إسرائيل - دراسة في الأحزاب والجماعات الدينية في إسرائيل ودورها في الحياة السياسية، (القاهرة: مكتبة مدبولي) ، ط1، 1999م، ص203 - 205.

(3) انظر: عبد الفتاح ماضي، الدين والسياسة في إسرائيل، مرجع سابق، ص205.

(4) انظر: عبد الفتاح ماضي، الدين والسياسة في إسرائيل، مرجع سابق، ص205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت