فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 196

يحدث بين اللغات ما يحدث بين الكائنات الحية وجماعاتها من احتكاك وصراع وتنازع على البقاء وسعى وراء الغلب والسيطرة، وتختلف نتائج هذا الصراع باختلاف الأحوال، فتارة ترجح كفة أحد المتنازعين فيسرع بالقضاء على الآخر مستخدمًا في ذلك وسائل القوة والعنف فلوله فلا يكاد يبقى على أثر من آثاره، وتارة ترجح كفة الآخر ولكنه يمهل الآخر وينتقصها بالتدريج من قوته ونفوذه ويعمل على حصد شوكته شيئًا فشيئًا حتى يتم له النصر وأحيانًا تتكافأ قواهما أو تكاد فتظل الحرب بينهما سجالًا ويظل كل منهما في أثنائها محتفظًا بسماته ومميزاته وينشأ الصراع عن عوالم كثيرة أهمها عاملان أحدهما: أن ينتزح إلى البلد عناصر أجنبية كما في حالتنا الآن، والآخر: يتجاور شعبان مختلفا اللغة فيتبادلان المنافع ويتاح لأفرادهما فرص الاحتكاك المادي والثقافي.

نزوح عناصر أجنبية:

قد يحدث على أثر فتح أو استعمار أو حرب أو هجرة أن ينزح إلى البلد عنصر أجنبي ينطق بلغة غير لغة أهله فتشتبك اللغتان في صراع ينتهي إلى إحدى نتيجتين؛ فأحيانًا تنتصر لغة منهما على الأخرى فتصبح لغة جميع السكان وحديثهم أصيلهم ودخيلهم وأحيانًا لا تقوى إحداهما على الأخرى فتعيشان جنبًا إلى جنب.

الحالات التي تتغلب فيها إحداهما على الأخرى:

أن يكون كلا الشعبين ناشدًا الحضارة والثقافة ويزداد عدد أفراد أحدهما على الآخر زيادة كبيرة، ففي هذه الحالة تتغلب لغة أكثرهما عددًا سواء كانت لغة الغالب أم المغلوب، لغة الأصيل أم الدخيل ذلك أنه عند انعدام التحكم من قبل النوع يتحكم الكم في مصير الأمور، ولكن ذلك لا يحدث إلاّ إذا كانت اللغتان المتصارعتان من شعبة لغوية واحدة أو من شعبتين متقاربتين (1) .

(1) علي عبد الواحد وافي"علم اللغة"القاهرة ـ ط 6 ص 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت