فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 196

وقد يحدث أحيانًا في هذه الحالة أن تتغلب لغة على أخرى من غير فصيلتها ولكن هذه الظاهرة نادرة الحدوث، ولا يتم التغلب فيها إلاّ بصعوبة وبعد أمد طويل. واللغة التي تنشأ من هذا التغلب ينالها كثير من التحريف على ألسنة المحدثين من الناطقين بها لشدة الاختلاف بينهم وبين لغتهم الأصلية، فتبعد بعدًا كبيرًا عن صورتها الأولى. فالبلغاريون وهم من أصل فينواني حينما نزحوا إلى البلقان وامتزجوا بشعوب الصقالية (السلافيون) . أخذت لغتهم تنهزم شيئًا فشيئًا أمام لغة هذه الشعوب حتى انقرضت وحل محلها لسان صقلي، وذلك لأن عدد البلغاريين لم يكن شيئًا مذكورًا بجانب عدد الصقالية الممتزجين بهم وكانت كلتا الفئتين إذ ذاك همجية منحطة في مستوى حضارتها وثقافتها. وقد حدث هذا التغلب رغم اختلاف اللغتين في الفصيلة فلغة البلغاريين الأصليين كانت من فصيلة الفينية على حين أن اللغة الصقلية كانت من الفصيلة الهندية الأوروبية ـ ولكن هذا التغلب لم يتم إلاّ بصعوبة، وبعد أمد طويل وصراع أطول خرجت منه اللغة الغالبة مشوهة محرفة عن مواضعها في ألسنة المحدثين عن الناطقين بها، فبعدت بعدًا كبيرًا عن صورتها القديمة فالبلغارية الحديثة هي أكثر اللهجات الصقلية تحريفًا.

(الحالة الثانية) أن يكون الشعب الغالب أرقى من الشعب المغلوب في حضارته وثقافته وأدابه وأشد منه بأسًا، وأوسع نفوذًا ففي هذه الحالة يكتب النصر للغته فتصبح لغة جميع السكان، وإن كان عدد أفراده يقل عن عدد أفراد الشعب المغلوب على شريطة أن تدوم غلبته وقوته مدة كافية، أو أن تقيم بصفة دائمة جالية يعتد بها من أفراده في بلاد الشعب المغلوب، وأن تمتزح بأفراد هذا الشعب وأن تكون اللغتان من شعبة لغوية واحدة أو من شعبتين متقاربتين.

(المبحث الثالث)

قيم وعادات جديدة على المجتمع الخليجي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت