ويمثل التغيّر الدّلالي - الذي هو تغيّر معاني الكلمات- ظاهرة شائعة في جميع اللّغات، إذ أكد الدارسون هذه الحقيقة، إذ شبه هؤلاء اللّغة بالكائن الحيّ الذي ينمو ويتطوّر. (3) وقد عدها بعضهم ظاهرة اجتماعية، وهي لذلك عرضة للتطور في مختلف عناصرها: أصواتها، تراكيبها، دلالاتها، وإن تطورها هذا يجري وفقا لاتجاهات عامة ورئيسة، وليس تبعا للأهواء والمصادفات، ولا يدّ لأحد على وقف عملها أو تغيير ما تؤدي إليه، وليس في قدرة الأفراد أن يُّوضفوا تطور لغةٍ ما، أو يجعلوها تجمد على وضعٍ خاص. (4)
و إن التغير الدّلالي ظاهرة طبيعية، يمكن رصدها بوعي لغوي لحركية النظام اللغوي المرن، إذ تنتقل العلاّمة اللغوية من مجال دلالي معين إلى مجال دلالي آخر، وهو ما يمكن أن يدرس في مباحث المجاز، وفي حركية اللّغة الدائبة
وقد تتخلف الدّلالة الأساسية للكلمة فاسحة مكانها للدلالة السياقية أو لقيمة تعبيرية أو أسلوبية، وبذلك تغدو الكلمة ذات مفهوم أساسي جديد وقد يحدث أن ينزاح هذا المفهوم بدوره ليحل مكانه مفهوم آخر، وهكذا يستمر التطور الدّلالي في حركة لا متناهية تتميز بالبطء والخفاء. (5)
وعلى الرغم من إن علماء اللّغة العرب القدماء قصروا السليقة اللغوية على قوم معينين، وعلى زمن معين، وبيئة معينة، غير انهم استطاعوا أن يقدموا لنا- ومع هذا المنهج المتزمت- إشارات واضحة للتطور الدّلالي بشكل ما، يقول براجستر اسر: إن العلماء القدامى قد صرفوا عنايتهم إلى الصرف والنحو اكثر من عنايتهم بالمفردات. وانه ليس لدينا معجم يقضي حاجاتنا,"وقد أدت هذه النظرة المحافظة إلى ضياع كثير من السبل إلى معرفة تطوّر دّلالة الألفاظ بحسب تباين الزمان والمكان وذلك"
1 -ينظر: الأضداد في اللّغة، ص215. الترادف في اللّغة، ص110.
2 -النظم في التطوّر النحويّ والبلاغي (بحث) ص174.
3 -ينظر: لحن العامة والتطور اللغويّ، ص30.
4 -ينظر: اللّغة والمجتمع، ص76. علم اللّغة العام (شاهين) ص135. الأضداد في اللّغة، ... ص69.
5 -علم الدّلالة عند العرب أصوله ومباحثه، ص50.
باستثناء تلك الحقبة المعهودة التي قيدوا فيها دلالة الألفاظ, و وقفوا عندها. وعلى الرغم من هذه النظرة وهذا المنهج المتزمت نجد أحيانا من أشار إلى هذا التطور بشكل ما، أو اضطر إلى الاعتراف به على جهة التأويل، أو محاولة تخريجه أو التماس سبب له". (1) "