ويعد مظهرًا من مظاهر تغيّر الدّلالة، وذلك إن بعض الألفاظ تترك معانيها الجميلة والشريفة والسامية وتنحدر إلى معانٍ رخيصة مبتذلة عبر عصور حضارات الأُمم واستعمالات الأفراد، ولأسباب سياسية أو اجتماعية أو نفسية، فتفقد مكانتها بين الألفاظ التي تنال تقدير المجتمع واحترامه. (2)
فعلى المستوى السياسي فقدت بعض الألقاب السياسية الكثير من هيبتها بعد إلغاء الرتب والألقاب في مصر وغيرها، فأصبحت الألقاب مثل (باشا، وبك، وسيد، و أفندي) ذات قدر ضئيل بعد أن كانت مرموقة. (3)
ومن الألفاظ التاريخية التي أصابها الابتذال كلمة (حاجب) والتي كانت تدل على مقام رئيس الوزراء في الدولة الأندلسية، ولكنها الآن تدل على البواب. (4)
أما على المستوى النفسي والاجتماعي فكثيرًا ما تتغير الألفاظ المرتبطة بالغريزة الجنسية أو المقابح أو العورات أو القذارة، وتحل محلها ألفاظ عامة غامضة وأقل حدة. (5)
وقد أشار العلاّمة السيوطيّ إلى هذا النوع من التغير الدّلالي، الذي يحدث عادة باستخدام المجاز، قال السيوطيّ:"والمجاز إما لأجل اللفظ أو لأجل المعنى والذي لأجل المعنى إما لعظمةٍ في المجاز، أو حقارة في الحقيقة، أو لبيان في المجاز أو لُطف فيه: أما العظمة فكالمجالس، وأما الحقارة، فكقضاء الحاجة بدلًا عن التغوُّط. (6) "
فالعلامة السيوطيّ يعزو سبب التّغيَّر الدّلالي نحو الانحطاط إلى المجاز، الذي هو وسيلة لصيانة الألسنة عما يستقبح ذكره، فلفظ قضاء الحاجة - مثلاُ- كانت له دلالة راقية، ثم انحدرت هذه الدّلالة بسبب استعمالها في المجاز، فأصبحت تطلق على التغوَّط، وهو مما يستقبح ذكره.
1 -... ينظر: علم (بالمر) ص11. التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن، ص56. مباحث في علم اللّغة واللسانيات، ص186.
2 -... ينظر: دلالة الألفاظ، ص156 - 157. مباحث في علم اللّغة واللسانيات، ص187.
3 -... ينظر: دلالة الألفاظ، ص157.
4 -... المصدر السابق.
5 -... ينظر: علم الدّلالة والمعجم العربي، ص97 - 98.
6 -... المزهر، ج1 ص360.
ومن هذا النوع من التغير (اللامساس) أو التغير المتسامي, ويحصل نتيجة تحفظ أفراد المجتمع من التلفظ بألفاظ ذات إيحاءات مكروهة أو محرجة، لأن لكل مجتمع عاداته وتقاليده في أحاديثه وتعابيره الخاضعة لمعايير الذوق والأدب.