فتستبدل الكناية بصريح القول, فيُكنى عما يسيء ويوري عما ينفر أو يستر بأسلوب الحكيم ما يؤذي الأحاسيس والمشاعر وما يستقبح ذكره. (1)
أي أن من دواعي هذا النوع من التغير هو ما يكون عليه الأفراد من الحشمة والأدب في شؤونهم و علاقتهم بعضهم ببعض. (2) "فإذا صدمت كلمة ما يحضر الاستعمال تحت تأثير عامل اللامساس، حلت محلها كلمة أخرى خالية من فكرة الضرر أو الأذى".
وهذا النوع من التغيّر الدّلالي يعتمد في أغلب تحليلاته على الكناية التي تدل على التخفي والسّتر وصون اللّسان عمّا يفحش ذكره. (3)
ويؤدي هذا التغيّر الدّلالي إلى"التّلطف في التعبير الذي هو عمليًّا: الإشارة إلى شيء مكروه أو غير مستحب بطريقة تجعله أكثر قبولًا واستساغة، وهو في حقيقته: إبدال الكلمة الحادّة بكلمة أقل حدّة وأكثر قبولًا. وهذا التّلطف هو السّبب في تغيّر المعنى". (4)
علمًا إن الكلمة ليست هي السّبب في هذا التّلطف، بل سببه المعنى الذي يضيفه المجتمع عليها لأن"الكلمة ما هي إلا مجموعة من الأصوات البريئة التي يضفي عليها المجتمع معنى معينًا لحاجته إلى ذلك المعنى" (5) .
فالداعي إليه هو التّحفظ العرفيّ، لذلك"نجد في المعنى الواحد ألفاظًا كثيرة قد تصل إلى عشرات أو مئات كالألفاظ الدالة على الجنس وما يتصل به ممّا يسّتحب فيه الكناية ويستقبح التّلفظ بها". (6)
1 -... ينظر: علم اللّغة العام (شاهين) ص143.
2 -... علم الدّلالة (عمر) ص40.
3 -... الأضداد في اللّغة، ص36.
4 -... علم الدّلالة (عمر) ص40.
5 -... أضواء على الدراسات اللغوية المعاصرة، ص245.
6 -... الأضداد في اللّغة، ص36.
ولم يكن علماء العربية القدماء غافلين عن هذا النَّوع من التغيّر الدّلالي المسمى بـ (التّلطف في التّعبير) فقد كانت بذرته موجودة في بطون مؤلفاتهم اللغوية والقرآنية والأدبية القديمة، فنجد للثعالبي (ت 429هـ) فصلًا في كتابه (فقه اللّغة وسرّ العربية)