الصفحة 117 من 164

سَمَّاُه: (فصل في الكناية عمّا يستقبح ذكره بما يستحسن لفظه) وساق له الكثير من الأمثلة وقال عنها:"هي من سنن العرب". (1)

ونجد عند أبي الحسن محمد بن هلال الصّابي (ت 480هـ) في كتابه (الهفوات النادرة) أنواعا من التّلطف، ولا سيما فيما يتعلق منه بالتفاؤل والتشاؤم، ويدلنا على إن هذا النوع من الكلام لم يكن مقصورًا في استعماله على العامّة بل شمل الخلفاء والملوك والأمراء والبلغاء. (2)

وهذا يدل على أن العرب أسبق من الغرب في معرفة ما يسمى ب (التّلطف في التّعبير) غير انهم لم يصطلحوا عليه هذا المصطلح، بل كانوا يعدونه نوعًا من المجاز الكنائيّ، ويتحدثون عنه عند الحديث عن الكناية.

وأصدق شاهد على معرفة العرب لذلك وسبقهم فيه هو (القرآن الكريم) الذي نزل بلغتهم، فقد كثرت فيه الكناية عما يستقبح ذكره، منه قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلى نِسَائِكُمْ} (3) ، قال الراغب الأصفهاني: جعل الرفث كناية عن الجماع. (4)

وكانت كنايات القرآن الكريم محل عناية العلاّمة السيوطيّ، وكانت له وقفة رائعة عندها مصحوبة بتوضيح ما أصاب هذه الألفاظ من تغيّر دلاليّ نتيجة لهذا التلطف، فمن هذه الألفاظ:

ــ النفس: في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} (5) .

قال السيوطيّ: كناية عن آدم، للتنبيه على عِظم القدرة. (6)

1 -... فقه اللّغة وسرّ العربية، ص592 - 593.

2 -... ينظر: الهفوات النادرة، ص13 وما بعدها.

3 -... سورة البقرة: من الآية187.

4 -... ينظر: المفردات، ص199.

5 -... سورة لأعراف: من الآية189.

6 -... ينظر: الإتقان في علوم القرآن، ج2 ص129. معترك الأقران، ج1 ص193.

ــ نعجة: في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} (1) . قال السيوطيّ: ترك اللفظ إلى ما هو أجمل منه، فكنى بالنعجة عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت