فهرس الكتاب
وهكذا عزم موسى عليه السلام على السير ومعه فتاه يوشع بن نون، حتى كان لهما لقاء الخضر فكان أن لزمه موسى ليتعلم مما عند هذا الرجل الصالح من العلم اللدني، فكان مما لم يصبر موسى على تحمله فتم الافتراق بينهما ولكن قبل الافتراق علم المعلم موسى تفسير كل حدث مما وقع معهما من أحداث فكانت العبرة والمنفعة.
فالآية الأولى: تدل بأسلوبها البليغ على أن موسى عليه السلام كان مصممًا على بلوغ مجمع البحرين، مهما تكن المشقة في سبيل ذلك، ومهما يكن الزمن الذي يقطعه في سبيل الوصول إلى غايته [1] ، ونحن نعلم أن غاية موسى من هذه الرحلة الشاقة هي طلب العلم والتعلم امتثالًا لأمر الله له.
أما آيات الصورة الثانية والتي تمت بعد لقاء موسى بالخضر فهي نموذج راقٍِ من الأدب بين المتعلم والمعلم، قال موسى للخضر عليهما السلام بعد أن التقيا: هل أتّبعك، أي هل تأذن لي في مصاحبتك وإتباعك بشرط أن تعلمني من العلم الذي علمك الله إياه شيئًا استرشد به في حياتي وأصيب به الخير في ديني.
فأنت ترى أن موسى عليه السلام قد راعى في مخاطبته للخضر أسمى ألوان الأدب اللائق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع غيرهم، حيث خاطبه بصيغة الاستفهام الدالة على التلطّف وحيث أنزل نفسه منه منزلة المتعلّم من المعلم, وحيث استأذنه في أن يكون تابعًا له ليتعلم منه الخير والرشد.
قال بعض العلماء في هذه الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم، وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص الله تعالى أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى يتعلّق بالأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها وكان علم الخضر يتعلّق ببعض الغيب ومعرفة البواطن.
ثم كان من قول الخضر لموسى إنك إذا اتبعتني ورافقتني فلن تستطيع معي صبرًا بأي وجه من الوجوه.
(1) طنطاوي: التفسير الوسيط، 8/ 547.