قال أبو داود في (( المراسيل ) ) (1) : (( حدثنا قتيبة، أنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب (، قال:(فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر مُدّين من حنطة) . )).
وقال الطّحاويّ (2) : (( حدثنا أحمد بن داود، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن عبد الخالق الشيباني، عن سعيد بن المسيب (، قال:(كانت الصدقة تعطى على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما نصف صاع من حنطة) . )).
وقال أبو عبيد في كتاب (( الأموال ) ): (( حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد الخالق بن سلمة الشيباني، قال سمعت سعيد بن المسيب (، يقول:(كانت الفطرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاع تمر أو نصف صاع حنطة عن كل رأس) . )).
قلت: وهذا من أعلى المراسيل التي يحتج بها حتى مَن يقول بعدم حجّية المرسل (3)
(1) المراسيل ص137.
(2) في شرح معاني الآثار 2: 146.
(3) ومسألة قبول المرسل الكلام فيها طويلة الذيل، والمؤلف أشار إلى ذلك دون أن يفصّل؛ لأن المقام ليس مقام تفصيل فيه، وتميمًا للفائدة نذكر نبذة ممّا قيل حوله لكثرة ما يثار حوله من كلام:
فإن الحنفية يرون قبول الخبر المرسل إذا كان مرسله ثقة، كالخبر المسند، وعليه جرت جمهرة فقهاء الأمة، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، إلى رأس المئتين؛ قال العلامة ظفر أحمد التهانوي ( في إعلاء السنن 20: 284.: لأن من أسند فقد أحال على غيره، ومن أرسل فقد تكفل لصحة الخبر؛ لأن العدل الثقة إذا قال: قال رسول الله ( كذا جازمًا بذلك، فالظاهر من حاله أنه لا يستجيز ذلك إلا وهو عالم أو ظان أن النبي ( قاله، فإنه لو كان ظانًا أن النبي ( لم يقله أو كان شاكًا فيه لما استجاز في دينه النقل الجازم عنه؛ لما فيه من الكذب والتدليس على المستعمرين، وذلك يستلزم تعديل من روى عنه.
قال الإمام الكوثري في مقدمة نصب الراية ص297-298: ولا شكّ أن إغفال الأخذ بالمرسل ـ ولا سيما مرسل كبار التابعين ـ تَرْكٌ لشطر السُّنَّة.
قال الإمام أبو داود ( في رسالته إلى أهل مكّة المتداولة بين أهل العلم بالحديث: وأما المراسيل، فقد كان يحتج بها العلماء، فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي ( حتى جاء الشافعي (، فتكلم فيه.
وقال الإمام الطبري (: لم يزل الناس على العمل بالمرسل، وقبوله، حتى حدث بعد المئتين القول برده.
وفي كلام ابن عبد البر ما يقتضي أن ذلك إجماع.
ومناقشة من ناقشهم بأنه يوجد بين السلف مَن يحاسب بعض من أرسل محاسبة غير عسيرة، مناقشة في غير محلها؛ لأن تلك المحاسبة إنما هي من عدم الثقة بالراوي المرسل، كما ترى مثل هذه المحاسبة في حق بعض المسندين، فإذن ليست المسألة مسألة إسناد وإرسال، بل هي مسألة الثقة بالراوي.
والإمام الشافعي (، لما ردَّ المرسل، وخالف من تقدمه اضطربت أقواله، فمرة قال: إنه ليس بحجّة مطلقًا، إلا مراسيل ابن المسيِّب (، ثم اضطّر إلى ردّ مراسيل ابن المسيِّب نفسه في مسائل، ثم إلى الأخذ بمراسيل الآخرين، ثم قال: بحجية المرسل عند الاعتضاد؛ ولذلك تعب أمثال البيهقي ( في التخلص من هذا الاضطراب، وركبوا الصعب، وفي مسند الشافعي نفسه مراسيل كثيرة، بالمعنى الأعم الذي هو المعروف بين السلف، وفي موطأ مالك نحو ثلاثمائة حديث مرسل، وهذا القدر أكثر من نصف مسانيد الموطأ. والبخاري نفسه تراه يستدلّ في كتبه بالمراسيل، وكذا مسلم في المقدمة، وجزء الدباغ( ) .
وقال العلامة الكوثري في هامش شروط الأئمة الخمسة ص65: وقد احتج بالمرسل أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه، وكذا الشافعي وأحمد وأصحابهما إذا اعتضد بمسند آخر أو مرسل آخر بمعناه عن راوٍ آخر فيدلّ على تعدد المخرج أو وافقه قول بعض الصحابة ( أو إذا قال به أكثر أهل العلم، فإذا وجد أحمد هذه الأربعة دلّ على صحة المرسل.
وجه التوفيق بين قول الفقهاء بتصحيح المرسل، وقول متأخري أهل الرواية بتضعيفه أن الحفاظ يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلًا وهو ليس بصحيح على طريقهم ومصطلحاتهم؛ لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي ( ، وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث، فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدلّ على أن له أصلًا قوي الظنّ بصحة ما دل عليه فاحتج به مع ما احتف به من القرآن.