وروى الشَّيخان (1) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: (أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بزكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، قال عبد الله: فجعل الناس عْدُلَه مُدَّين من حنطة) .
فهذا التصرّف من الصحابة ( دليلٌ واضح لما قلناه؛ إذ لو لم يكن كذلك لَمَا استجاز الصحابة ( خصوصًا عمر وعلي رضي الله عنهما مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شيء حدّه وقدّره؛ ولذلك تمسّك به أبو سعيد الخدري (؛ لعدم فهمه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما فهموه، وكذلك عبد الله بن عمر؛ لشدة تمسّكه بالوارد ووقوفه معه.
قال ابنُ وضّاح (2) : (( حدثنا موسى بن معاوية، حدثنا وكيع، عن عمران بن جرير، عن أبي مجلز، قال: قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبُرّ أفضل من التمر، فقال له ابن عمر: إن أصحابي سلكوا طريقًا، فأنا أحب أن أسلكه ) ) (3) .
فأقرّه عبد الله بن عمر على تبديل الوارد بغيره لمصلحة الفقراء، ولم ينكر عليه ذلك بقوله: لا يجوز، ولكنه أجاب بأن اختياره في نفسه هو التمسك بالوارد، وعمل مَن مضى قبله من الصحابة ( على عادته (، والسبب في هذا أن عبد الله بن عمر لم يرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم البُرّ، بل أحاديثه المتفق على صحّتها ليس فيها إلا التمر والشعير فقط.
(1) أي البخاري في صحيحه 2: 548، ومسلم في صحيحه 2: 678.
(2) وهو محمد بن وضاح بن بزيخ المرواني، قال ابن الفرضي: كان عالمًا بالحديث، بصيرًا بطرقه وعلله، وكثير الحكاية عن العباد، ورعًا، زاهدًا، صبورًا على نشر العلم، متعففًا، نفع الله أهل الأندلس به، (199ـ 287هـ) . ينظر: سير أعلام النبيلاء 13: 445-446.
(3) في المحلى لابن حزم 4: 249.