فصرَّح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعلّة وجوب الزكاة، وهي إغناء الفقراء يوم العيد، وذلك بالمال أفضل من غيره؛ لأنه الأصل الذي يتوصل به إلى كلّ شيء من ضروريات الحياة إلا أن الطعام في ذلك العصر كان أفضل من جهة كونه صلى الله عليه وآله وسلم أراد إغناء الفقراء في خصوص يوم العيد وكفايتهم عن الطواف والتعب في الحصول على القوت فيه؛ لأنه لم يكن وقتئذ بالأسواق دقيق ولا خبز ولا طعام مطبوخ، كما هي الحال في البادية اليوم.
بل ربّما كان الحبّ يفقد من الأسواق، ولا يوجد إلا في وقت معلوم حين يرد به التجار من الخارج، فربّما يصادف يوم العيد إقفال سوق الطعام أو عدم وجوده للبيع، فلو أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدراهم لفات المقصود من كفاية الفقير هَمَّ الطعام يوم العيد، الذي هو يوم سرور وذكر وعبادة، ولظل يطوف، ويسأل القوت كسائر الأيام، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالطعام؛ ليكفوا مشقة البحث وهم السؤال.
أما وقتنا هذا، فالحال فيه بخلاف ما ذكر، فإن الطعام متيسر بالأسواق والدكاكين، فكلّ ما يحتاجه الفقير يجده من غير كلفة ولا مشقة متى كان بيده المال، بل انعكست القضية، وانتقل التعب والمشقة والشغل إلى الانتفاع بالحبّ، فكان إخراج المال من أجل هذا أفضل.
الوجه السابع
إنّه عليه الصلاة والسلام قال: (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم) ، فقيد الإغناء بيوم العيد؛ ليعم السرور جميع المؤمنين، ويستوي فيه الغني والفقير، ويتفرغ الجميع لذكر الله تعالى وعبادته وحمده وشكره على ما أنعم به من التوفيق؛ لأداء فريضة الصوم المكفّر للذنوب والمقرب من ربّ الأرباب، ثم على إباحة الفطر تخفيفًا من الله سبحانه ورحمة، ولو شاء لجعل الدهر كلّه مفروضًا فيه الصيام {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} (1) إلى غير ذلك من جليل نعمه، وعظيم مننه.
(1) الأنبياء: من الآية23.