وعلى فرض انتفاء المشقّة، فالحاجة قد تقوم مقام المشقّة، ولذلك أبيح النظر المحرم إلى مَن يريد نكاح المرأة، أو معاملتها ببيع أو غيره: كتحمل الشهادة وأدائها، وكاللمس المحرم أيضًا للطبيب والحجّام ونحوهما، والنظر إلى فروج الزانيين؛ لتحمل شهادة الزنى، وإلى فرج المرأة؛ للشهادة على الولادة والبكارة، وإلى ثديها للشهادة على الرضاع، وغير ذلك.
فإذا أباحث الحاجة ما هو محرم؛ فلأن تبيحَ المال في الزكاة التي هو الأصل فيها أولى.
الوجه الثامن والعشرون
إن الفقهاءَ القائلين بعدم إجزاء الدقيق علَّلوه بكونه غير كامل المنفعة؛ لذهاب ريعه، وهذه العلّة موجودة اليوم في الحبّ، فإن الفقراءَ يبيعونَه بأقلّ من ثمنه بما يعدل أضعاف منفعة الريع الساقط من الدقيق، فوجب أن يدور الحكم مع العلّة.
الوجه التاسع والعشرون
إن إخراجَ المال في هذا العصر يجتمع فيه جلب مصلحة ودفع مفسدة، فيقدَّم على إخراج الحبّ الذي فيه مصلحة مقرونة بمفسدة إضاعة المال؛ لأن الفقراء يبيعونه بأبخس الأثمان، فيضيع بسبب ذلك مالٌ كثيرٌ بين مشتريه للزكاة وبين بائعه الفقير، وكم من الفقراء مَن لا يجتمع له ما يكفيه للطحن والبيع فيضيع ولا يحصل به انتفاع.
الوجه الثلاثون
إنّ الحكمَ إذا وقع فيه خلافٌ هل هو مخصوص بالنصّ أو غير مخصوص، فالظاهرُ حملُه على عدم الخصوص حتى يثبتَ الخصوص بنصّ أو إجماع، كما تقرَّرَ في أصول الفقه، والزكاة لم يثبت تخصيص الحكم فيه بنصّ ولا إجماع، فوجبَ عدم اعتباره والقول بالعموم.
الوجه الحادي والثلاثون
إنّ مراعاةَ المصالح من أعظم أصول الشريعة، وعلل أحكامها التي ينبني عليها جميعها، وحيثما دارت تدور معها، فالشريعة كلُّها مبنيّة على جلب المصالح ودرء المفاسد.