وفي (إجارة) (( المبسوط ) )لشمس الأئمة السرخسي (1) : ولا بأس بأن يؤاجر المسلم دارًا من الذمي ليسكنها، فإن شرب فيها الخمر، أو عبد فيها الصليب، أو أدخل فيها الخنازير لم يلحق المسلم إثم في شيء من ذلك؛ لأنه لم يؤاجرها لذلك، والمعصية في فعل المستأجر، وفعله دون قصد رب الدار، فلا إثم على رب الدار في ذلك، كمن باع غلامًا ممن يقصد الفاحشة به، أو باع جارية ممن لا يستبرئها، أو يأتيها في غير المأتى لم يلحق البائع إثم في شيء من هذه الأفعال التي يأتي بها المشتري، وكذلك لو اتخذ فيها بيتًا أو كنيسة أو باع فيها الخمر بعد أن يكون ذلك في السواد، ويمنعون من إحداث ذلك بالأمصار. (( مبسوط ) ) (ج16: ص309) .
فهو أيضًا كالصريح في أن المدارَ على القصد والنية (2)
(1) وهو محمد بن أحمد بن أبي سهل السَّرَخْسِيّ، أبو بكر، شمس الأئمة، قال الكفوي: كان إمامًا علامة حجَّة متكلمًا مناظرًا أصوليًا مجتهدًا، عدَّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، من مؤلَّفاته: (( شرح السير الكبير ) )، و (( أصول السرخسي ) )، و (( شرح مختصر الطحاوي ) )، توفي في حدود (500) ، ينظر: (( تاج التراجم ) ) (ص234) ، (( الجواهر المضية ) ) (3: 78) ، (( الفوائد ) ) (ص261) ، (( الكشف ) ) (1: 112) .
(2) العبارة على عكس ما توصل إليه المؤلف، فإنها صريحة في عدم اعتبار قصد البائع، وإنما اعتبرت قصد المشتري، إذ أنه بعد أن ذكر لا بأس بتأجير الدار من ذمي ليسكنها وإن فعل فيها المعاصي علل ذلك بقوله: لأنه لم يؤاجرها لذلك، والمعصية في فعل المستأجر، وفعله دون قصد رب الدار، فلا إثم على رب الدار في ذلك.
فظاهر العبارة يدل على أنه لم يؤجرها لفعل هذه المعاصي، وإنما كان أجرها ليسكنها، وهذه الأمور من مستلزمات أن يسكنها ذمي، ومع ذلك فإنه أجرها له، وهذه المعاصي هي من فعل هذا الذمي المستأجر.
وبناءًا على هذا فإن جملة: وفعله دون قصد رب الدار، فلا إثم على رب الدار في ذلك. تحتمل معنيين:
الأول: فعل المستأجر للمعاصي لم يقصده المؤجر، وإنما قصد السكنى فحسب.
والثاني: فعل المستأجر للمعاصي لا اعتبار فيه لقصد المؤجر، وإنما التعويل على قصد المستأجر.
ويمكن نقض الاحتمال الأول بوجوه فيها تأييد للاحتمال الثاني، وهي:
أولًا: ما فائدة قصد المؤجر السكنى للذمي، ومعلوم أن الذي سيشرب الخمر وغيرها من المعاصي في الدار.
ثانيًا: أن تمام عبارة صاحب (( المبسوط ) )ترد على أن يكون لقصد المؤجر فائدة إذ قال: كمن باع غلامًا ممن يقصد الفاحشة به، أو باع جارية ممن لا يستبرئها، أو يأتيها في غير المأتى لم يلحق البائع إثم في شيء من هذه الأفعال التي يأتي بها المشتري.
فهي صريحة في أنه لا شيء على البائع مع أنه يعلم بأنه ببيعه للغلام أو للجارية ستكون هناك معصية من المشتري فيهما.
وهذا عجيب من المؤلف، كيف أنه التقط جملة: من دون قصد البائع. ولم ينتبه إلى باقي العبارة مع أنها صريحة كل الصراحة في عكس ما فهم. فسبحان الله.
ثالثًا: ما صرح به صاحب (( المبسوط ) ) ( 24: 3) نفسه في غير هذا الموضع بأنه لا تعويل على قصد البائع وإنما التعويل على قصد المشتري، وقد سبق أن نقلته وسأعيده هنا إذا قال: لا فساد في قصد البائع، فإن قصده التجارة بالتصرف فيما هو حلال لاكتساب الربح، وإنما المحرم والفساد في قصد المشتري اتخاذ الخمر منه.
وعليه فيكون المستفاد من عبارة (( المبسوط ) )التي نقلها المؤلف، ما صرّح به بعد نقل عبارة (( الخلاصة ) )، وهو: أنّ المدارَ بقطع نسبة المعصية عن المعين بتخلل الفاعل المختار بينه وبين عمل المعصية، ولم يتعرض للقصد، أو النية.