.اهـ.
فهذا صريح في أن المدارَ على النيّة، وأنه بنيّة الإعانة على المعصية حرام، وبدونه لا (1)
(1) إن المؤلف أراد من تصنيف هذه الرسالة استخراج ضابط من نصوص المذهب، يمكن عليه تخريج مسائل الإعانة على الحرام؛ ولذلك وجدناه اعتمد على كتب المذهب الحنفي فحسب في تحقيق مرامه، وعليه فإنني سأناقشه فيما يقول بناءًا على المقصود من عبارات المذهب ومراده علمائه، فإن الاجتهاد المطلق أمر، والاجتهاد في المذهب وتحميل نصوصه أمر آخر، لا بدّ من التفريق بينهما لكل طالب علم، والله الموفق.
وبادئ ذي بدئ فإن كلام المؤلف فيما استخرجه من عبارة (( الأشباه ) )غير مسلم له من وجوه:
الأول: أن عبارة (( الأشباه ) )منقولة من (( فتاوى قاضي خان ) )إذ قال ابن نجيم في (( الأشباه ) ) (22) بعد أن ذكر قاعدة: الأمور بمقاصدها: وذكر قاضي خان في (( فتاواه ) ): أن بيع العصير … الخ.
وعندما رجعت إلى (( فتاوى قاضي خان ) )وجدت المسألة ذكرت في موضعين منها:
وعبارتها في الموضع الأول (2: 282) : رجل باع العصير ممن يتخذه لا بأس به. انتهى.
وعبارتها في الموضع الثاني (3: 224) بعد أن ذكر المعتمد في المسألة أعقبه بصيغة التمريض: قيل، فذكر بعده توجيًا لقول أبي حنيفة، وهذه عبارته: ولا بأس ببيع العصير ممن يتخذه خمرًا في قول أبي حنيفة، وقال صاحباه: يكره، وقيل على قول أبي حنيفة: إنّما لا يكره إذا باعه من ذمي بثمن لا يشتريه المسلم بذلك، أما إذا وجد مسلمًا يشتريه بذلك الثمن يكره إذا باعه ممن يتخذه خمرًا، وهو كما لو باع الكرم وهو يعلم أن المشتري يتخذ العنب خمرًا لا بأس به إذا كان قصده من البيع تحصيل الثمن، وإن كان قصده تحصيل الخمر يكره، وغراسة الكرم على هذا إذا كان يغرس الكرم بنية تحصيل الخمر يكره، وإن كان لتحصيل العنب لا يكره، والأفضل أن لا يبيع العصير ممن يتخذه خمرًا. انتهى.
فالملاحظ أن ما في (( الأشباه ) )مختلف عما في (( فتاوى قاضي خان ) )، فعبارة قاضي خان الأولى صريحة في أنه لا اعتبار للقصد أو النية في بيع العصير، وكذلك عبارة الثانية عندما ذكر المعتمد في المذهب فهي صريحة كالأولى، ولكنه بعد أن ذكر صيغة التمريض، قيل، ذكر قولًا في المذهب، أو توجيهًا للمعتمدة أو غير ذلك، فذكر فيه القصد، فهذا القصد المذكور ليس هو المذهب، ولا المعتمد حتى عند قاضي خان، وكذلك عند ابن نجيم كما سيأتي.
الثاني: أن ابن نجيم نفسه لم يعتبر القصد والنية في شرحه على (( الكنْز ) )المسمَّى بـ (( البحر الرائق ) )، وعبارته فيه (8: 230) : ( وجاز بيع العصير من خمار) ؛ لأن المعصية لا تقوم بعينه، بل بعد تغيره … ولأن العصير يصلح للأشياء كلها جائزة شرعًا فيكون الفساد إلى اختياره ـ أي المشتري ـ. انتهى.
ومعلوم أن (( البحر الرائق ) )أفضل كتب ابن نجيم، وأكثرها قبولًا، وهو من الكتب المعتمدة في المذهب كما نبه عليه اللكنوي في (( إحكام القنطرة ) ) (ص272) ، فيكون ما فيه مقدم على ما في (( الأشباه ) )بلا شكّ.
الثالث: أن كتاب (( الأشباه والنظائر ) )عدَّ من الكتب المعتبر في المذهب، وإن صرح بعضهم أن عدم اعتباره لشدة اختصار عبارته، لكنه في الحقيقة راجع إلى الاختصار وإلى نقل غير الراجح والمعتمد في المذهب، قال ابن عابدين في (( شرح عقود رسم المفتي ) ): فحيث علمت وجوب اتباع الراجح من القوال وحال المرجح له، تعلم أنه لا ثقة بما يفتى به أكثر أهل زماننا بمجرد مراجعة كتاب من الكتب المتأخرة خصوصًا غير المحررة كـ (( شرح النقاية ) )للقهستاني، و (( الدر المختار ) )، و (( الأشباه والنظائر ) )، ونحوها، فإنها لشدة الاختصار والإيجاز كادت تلحق بالألغاز مع ما اشتملت عليه من السقط في النقل في مواضع كثيرة، وترجيح ما هو خلاف الراجح، ما هو مذهب الغير مما لم يقل به أحد من أهل المذهب. انتهى.
وقال محمد تقي العثماني ابن مؤلف هذه الرسالة في كتابه النافع (( أصول الافتاء ) ) (32-33) عند حديثه عن أسباب عدم اعتبار بعض الكتب، تحت عنوان: الاختصار المخلّ بالفهم: فإن هناك كتبًا لا شكّ في جلالة قدرها والثقة على مؤلفيها، ولكن فيها إيجازًا مخلًا بالفهم، ولذلك قال العلماء إنه لا يجوز الافتاء منها كـ (( الدر المختار ) )و (( الأشباه والنظائر ) )وغيرها من الكتب الموجزة، ولكن ليس معناه أن هذه الكتب غير معتبر في نفسها، ولكنها لما فيها من الإيجاز لا يأمن المفتي من الوقوع ي الغلط إذا اقتصر عليها.
وحكم هذه القسم: ان لا يفتى منها إلا بعد نظر غائر، وفكر دائر، ومراجعة شروحها وحواشيها، فإن تيقّن المفتي بعد ذلك بمرادها فلا بأس حينئذٍ بالافتاء منها.
وقد ذكر العلامة ابن عابدين في (( شرح عقود رسم المفتي ) ): إن (( الدر المختار ) )و (( الأشباه والنظائر ) )تشتمل على سقط في النقل في مواضع كثير وترجيح ما هو مذهب الغير مما لم يقل به أحد من أهل المذهب، وعلى هذا فإن هذه الكتب داخلة في القسم الثاني أيضًا.
وذكر محمد تقي العثماني (31-32) أن القسم الثاني هو: جمع المؤلف روايات ضعيفة، وحاصله: أن مؤلفي هذه الكتب وإن كانوا معروفين بالعلم والفقه، ولكنهم لم يلتزموا في هذه الكتب بالاقتصار على الروايات الصحيحة، وإنما نقلوا كل ما وجدوا من قول أو رواية من غير تحقيق وتنقيح.
وحكم هذا القسم: أن لا يؤخذ منها ما كان مخالفًا للكتب المعتمدة… انتهى كلام محمد تقي.
فتبين من هذه النقول أمور منها:
أولًا: أنه يعول على ظاهرة عبارة (( الأشباه ) )و (( الدر المختار ) )ما لم تراجع الشروح والحواشي، وقد راجعناها، فلم نجدهم يعولون في المسألة على القصد والنية. ومن أراد الاطلاع على ذلك فليراجع (( خلاصة الكلام في مسألة الإعانة على الحرام ) ).
ثانيًا: أنه لا يؤخذ منها ما هو مخالفٌ للكتب المعتمدة؛ وهذه المسألة في (( الأشباه ) )و (( الدر المختار ) )من المسائل التي خالفت ما في الكتب المعتبرة في المذهب. وتفصيل ذلك في (( خلاصة الكلام ) ).
الرابع: أن المراد من القصد كما هو ظاهر عبارة (( فتاوى قاضي خان ) )بأن يقصد نشر الخمر وإشاعته بين الناس، فهو المحذور، أما إن قصد مجرد التجارة والربح وتحصيل الثمن، فغير محذور، وعبارته هي: لو باع الكرم وهو يعلم أن المشتري يتخذ العنب خمرًا لا بأس به إذا كان قصده من البيع تحصيل الثمن، وإن كان قصده تحصيل الخمر يكره.
الخامس: أن عبارات عامة كتب المذهب المعتبرة تدل على أنه لا فرق في عدم الكراهة بأن يعلم البائع أن المشتري سيتخذ من الخمر أو لا، كما في (( التبيين ) )3: 276، 6: 28-29، و (( درر الحكام ) )1: 320، و (( البناية ) )5: 903، و (( رمز الحقائق ) )1: 329، 2: 273 و (( البحر ) )8: 230، و (( ملتقى الأنهر ) )2: 548، و (( شرح ملا مسكين ) )302، و (( فتح باب العناية ) )3: 23، و (( رد المحتار ) )2: 592، و (( فتاوى قاضي خان ) )3: 224، و (( المستصفى شرح النافع ) )ق188ب، و (( عمدة الرعاية ) )2: 385، و (( حاشية اللكنوي على الهداية ) )6: 227، و (( المجتبى ) )ق357أ، و (( اللباب ) )4: 167، و (( الهندية ) )3: 116، 210، بل صرح بعدم كراهيته عند أبي حنيفة وإن علم البائع بأن المشتري سيتخذه خمرًا السرخسي في (( المبسوط ) )24: 3، والمرغيناني في (( الهداية ) )10: 59، والقدوري في (( المختصر ) )2: 287، وشيخ زاده في (( مجمع الأنهر ) )2: 548، وصرح النسفي في (( الكنز ) )6: 28: وجاز بيع العصير من خمّار.
السادس: أن السرخسي في (( المبسوط ) )24: 3 نص على أن المعتمد في الفساد هو قصد المشتري لا البائع، فقال بعد ذكر المسألة: لا فساد في قصد البائع، فإن قصده التجارة بالتصرف فيما هو حلال لاكتساب الربح، وإنما المحرم والفساد في قصد المشتري اتخاذ الخمر منه.
السابع: أن يحمل ما ذكره صاحب (( الأشباه ) )على أنه تدليل على القاعدة التي ذكرها، لا أنه هو المعتمد عند أهل المذهب، وعليه فيكون تعليق كل من الحموي وبيري زاده عليه ببعض النقول هو من باب التدليل على القاعدة لا أنه هو المذهب. والله أعلم.
فهذه سبع وجوه كل منها يكفي في ردِّ ما عول عليه المؤلف من التخريج على عبارة (( الأشباه ) )، فما بالك إن اجتمعت معًا، وعليه فإن عبارة (( الأشباه ) )لا تصلح لأن يعول عليها؛ لأنه لا تحكي ما هو المذهب في هذه المسألة، بل المذهب على خلافها، فتكون فاسدة في عرض رأي المذهب، وما يبنى على الفاسد فاسدٌ بلا شك. والله أعلم وعلمه أحكم.