وفي (( البدائع ) ) (1) : مَن استأجر حمَّالًا يحملُ له الخمر فله الأجر في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: لا أجر له. كذا ذَكَر (2) في (( الأصل ) ) (3)
(1) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع )) لأبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، علاء الدين، ملك العلماء، من مؤلفاته: (( الكتاب الجليل ) )، و (( السلطان المبين ) )، (ت587هـ) . ينظر: (( طبقات ابن الحنائي ) ) (ص101-102) . (( الفوائد ) ) (ص91) . (( تاج التراجم ) ) (ص328) .
(2) أي محمَّد بن الحسن بن فرقد الشَّيْبَانِيّ، أبو عبد الله، صاحب أبي حنيفة، قال الذَّهَبِيّ: كان من أذكياء العالم، قال الشافعي: ما رأيت أعقل ولا أفقه ولا أزهد ولا أروع ولا أحسن نطقًا وإيرادًا من محمد بن الحسن. وتصانيف كثيرة، منها: (( الأصل ) )، و (( الجامع الصغير ) )، و (( الجامع الكبير ) )، و (( السير الكبير ) )، (( السير الصغير ) )، و (( الزيادات ) )، (132-189هـ) . ينظر: (( بلوغ الأماني ) ) (ص4) ، (( مقدِّمة الهداية ) ) (14:3) . و (( النافع الكبير ) ) (ص34-38) ، (( مقدمة السعاية ) ) (ص37) . (( تهذيب الأسماء ) ) (1: 80-83) . (( مقدمة التعليق الممجد ) ) (1: 114-117) .
(3) فالمستفاد من كلام (( الأصل ) )أن الاختلافَ بين الإمام وصاحبيه في جواز الإجارة وبطلانها مع قطع النظر عن طرق الإثم وعدمه، فعند الإمام صحّت الإجارة ووجب الأجر المسمّى، وعندهما بطلت فلا أجر له، وكلام (( الجامع الصغير ) )يفيد أن لا خلاف في صحّة الإجارة، بل في طيب الأجر وكراهته، فعند الإمام يطيب، وعندهما يكره. محمد شفيع رحمه الله.
أقول: ما استفاده المؤلف من كلام (( الأصل ) )و (( الجامع الصغير ) )فيه مؤاخذات، منها:
أولًا: أنه أصاب فيما ذهب إليه بأن عبارة (( الأصل ) )تفيد في جواز الاختلاف بين الإمام وصاحبيه في جواز الإجارة وبطلانها، بخلاف قوله: مع قطع النظر عن طرق الإثم وعدمه… الخ. فلولا أنه لم يكن هناك طرق للإثم عند الصاحبين لم يحصل اختلاف مع الإمام، ولم تبطل الإجارة.
ثانيًا: أن في كل من عبارتي (( الأصل ) )و (( الجامع الصغير ) )تتميم للأخرى، وتوضيح لما خفي فيها، ولا اختلاف بينهما في شيء، فعبارة (( الأصل ) )أقرت بأن من حمل خمرًا له الأجر، فأكملتها عبارة (( الجامع الصغير ) )بأن هذا الأجر طيب له ولا إثم فيه. وعبارة (( الأصل ) ): أقرت بأنه لا أجر لمن حمل الخمر؛ لأنه كما بيَّنه صاحب (( البدائع ) )وغيره: أنها إجارة على معصية، ومعلوم في المذهب أنه أجرة على المعصية، وعبارة (( الجامع الصغير ) )أكملتها ووضحتها: بأن يكره أن يأخذ الأجرة على ذلك، ويكون عليه إثم فيه.
فمدار الخلاف بين أبي حنيفة والصاحبين أنه لم يعتبرها معصية فكان له الأجر طيبًا بلا إثم، وهما اعتبراها معصية فلم يكن له الأجر عندهما، فكره له أخذه، وكان عليه الإثم بذلك.