فهرس الكتاب
، وإنّما هي بفعل الشاري (1) ، فليتأمل في وجه الفرق، فإنّه لم يظهر لي (2)
(1) أي أن المعصية في بيع السلاح والمكعب المفضض إنما هي بفعل المشتري، لا بفعل البائع، فلما صرَّحوا فيهما إذًا بالكراهة بناءًا على تعليل الزيلعي السابق ذكره، أما في المكعب المفضض فقد عرفت الجواب فيما ذكرنا، وأما في بيع السلاح فسيأتيك.
(2) تأملت في وجه الفرق، وظهر لي بتوفيق من الله تعالى بعد طول نظر وتدقيق فكر، وأسال الله تعالى أن أكون وفقت فيه، فأقول: إن مسائل بيع السلاح أربع نصَّ في ظاهر الرواية في ثلاث منها بالكراهة، وواحدة بعدم الكراهة.
أما الثلاثة التي نصّ فيها بالكراهة فهي:
الأولى: بيع السلاح من أهل الفتنة لمن علم ذلك، وعلل ذلك؛ بأنه من باب الإعانة على الإثم والعدوان والمعصية، وهو منهي عنه؛ قال تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] ، ولما روي من حديث عمران بن الحصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع السلاح في الفتنة) [ في (( صحيح البخاري ) ) (2: 741) معلقًا، (( سنن البيهقي ) ) (5: 327) ، وقال: رفعه وهم، والموقوف أصح. و (( الجرح والتعديل ) ) (8: 102) ، و (( الكامل ) ) (2: 51) ، و (( ضفعاء العقيلي ) ) (4: 139) ، و (( تاريخ بغداد ) ) (3: 278) و (( مسند البزار ) ) (9: 63) ، وقال ابن حجر في (( التلخيص ) ) (3: 18) : ضعيف، والصواب وقفه] . ولأن الواجب قلع سلاحهم بما أمكن حتى لا يستعملوه في الفتنة فالمنع أولى، ولأن المعصية تقوم بعينه فيكون إعانة لهم وتسبيبًا، ولأن في ذلك معونة علينا، ولأن بيع السلاح في أيام الفتنة اكتساب سبب تهييجها , وقد أمرنا بتسكينها . قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها) [قال النجم: رواه الرافعي في (( أحاليه ) )عن أنس، وعند نعيم بن حماد في كتاب (( الفتن ) )عن ابن عمر بلفظ: (أن الفتنة راتعة في بلاد الله تطأ في خطامها لا يحل لأحد أن يوقظها، ويل لمن أخذ بخطامها) كما في (( كشف الخفاء ) ) (2: 108) ، وفي (( التدوين في تاريخ قزوين ) ) (1: 291) عن أنس مرفوعًا] ، كما صرح بذلك صاحب (( البدائع ) )5: 232، 7: 142 و (( الهداية ) )4: 364، و (( الجوهرة ) )2: 286، و (( مجمع الأنهر ) )1: 701، و (( المجتبى ) )ق 357أ، و (( شرح الوقاية ) )1: 329، و (( عمدة الرعاية ) )2: 385، و (( المستصفى شرح النافع ) )ق188ب، و (( كشف الحقائق ) )1: 329، و (( شرح محمود بن إلياس زاده ) )2: 152، وغيرهم.
الثانية: بيع السلاح من أهل الحرب، وعللوا ذلك؛ بأنه يتقوون بالكراع والسلاح على قتال المسلمين، وقد أمرنا بكسر شوكتهم، وقتل مقاتلتهم؛ لدفع فتنة محاربتهم، كما قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَة} [البقرة: 193] فعرفنا أنه لا رخصة في تقويتهم على محاربة المسلمين، كما صرح به الطحاوي في (( مختصر ) )442، وصاحب (( المبسوط ) )4: 1410، و (( فتح القدير ) )5: 461، و (( الهندية ) )2: 197-198، وغيرهم.
الثالثة: بيع ما يتخذ منه السلاح كالحديد وغيره من أهل الحرب. والفرق في جواز بيعه لأهل البغي وعدم جوازه لهم أن أهل البغي لا يتفرغون لاستعمال الحديد سلاحًا؛ لأن فسادهم على شرف الزوال بالتوبة أو بتفريق جمعهم بخلاف أهل الحرب فإنهم يتفرغون له؛ لإعداده لقتال المسلمين وكسر شوكتهم. كما صرح به صاحب (( التبيين ) )3: 297، و (( الشرنبلالية ) )1: 306، و (( الدر المختار ) )4: 268
أما المسألة التي نص فيها بعدم الكراهة فهي:
بيع ما يتخذ منه السلاح كالحديد وغيره من أهل الفتنة لمن يعلم ذلك، وعللوا ذلك؛ بأنه لا يصير سلاحًا إلا بالعمل وصنعة فيه، ولأن المعصية تقع بعين السلاح بخلاف الحديد، كما صرح به صاحب (( البدائع ) )7: 142، و (( التبيين ) )3: 296-297، و (( الهداية ) )4: 364، وغيرها.
فالذي ظهر لي أن الثلاثة الأولى كرهت بالدرجة الأولى للنصوص القرآنية والحديثية الواردة فيها، وهذا مخالف للقياس؛ إذ أن الأصل في المعاملات الإباحة؛ لذلك اقتصر على ما وردت فيه النصوص وتضمنته، فهي واردة بيع السلاح من أهل الفتنة فمن باب أولى يدخل فيها بيعه من أهل الحرب؛ لأن فتنتهم أشد على أهل الإسلام، ودخل في ذلك بيع ما يتخذ منه السلاح من أهل الحرب؛ لما فيه من تقويتهم، وخرج من ذلك بيع ما يتخذ منه السلاح من أهل الفتنة؛ لأنه خارج عن النصّ، ولا يحصل فيه ضرر على المسلمين، فلا تقوم المعصية به بخلاف السلاح منهم.
وعليه فيكون الفرق كما عرفت في المكعب المفضض، وفي السلاح بما ورد فيه من النصوص الشرعية التي أخرجت عن القاعدة التي في الباب. والله أعلم.