الصفحة 44 من 48

ففي ظاهر هذين الكلامين تدافع في أمر الحديد، فإن الأول يجوز بيع الحديد، والثاني يكرهه (1) .

قلت: التوفيق بينهما يمكن بحمل الكراهة في الحديد على التنْزيه، ويجوز تعبيره بالجواز (2) ، وروايات الحديث في الاحتياط والاجتناب عن الأسباب البعيدة للمعاصي أيضًا غير قليل، كما لا يخفى على المتبصر.

فتنقيح الضابطة في هذا الباب (3) على ما مَنَّ به عليَّ ربِّي:

(1) لا يوجد أي تدافع في النقلين في أمر الحديد، وإنما هو محض توهم؛ إذ إن العلماء فرَّقوا فيما يدخل إلى دار الحرب بين ما يمكن أن يستخدم للسلاح وبين غيره، فكرهوا كل ما يستفاد منه في السلاح، وأجازوا غيره من الطعام واللباس وغير ذلك للحديث الوارد فيه، كما هو مذكور في (( خلاصة الكلام ) )، ولكن لعدم تفريق المؤلف بين المسألتين وقع في الخلط فتوهم التدافع، وفي نفس (( شرح السير الكبير ) ) (4: 1409-1410) صرح بكراهية بيع الحديد، فقال: وكذلك الحديد الذي يصنع منه السلاح ـ أي يكره ـ؛ لأنه مخلوق لذلك في الأصل في قوله تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} والمصنوع منه وغير المصنوع في كراهية الحمل إليهم سواء، وهذا لأن الحديد أصل السلاح، والحكم الثابت فيما يحصل من أصل يكون ثابتًا في الأصل، وإن لم يوجد فيه ذلك المعنى.

(2) ظاهر الرواية في المذهب لم تفرق في الكراهة بين بيع السلاح والحديد من أهل الحرب، كما نص على ذلك الحاكم ونقله عنه ابن الهمام في (( فتح القدير ) ) (5: 461) ، وكما صرح به صاحب (( التبيين ) ) (3: 297) ، و (( الشرنبلالية ) ) (1: 306) ، و (( الدر المختار ) ) (4: 268) ، وعليه كان توفيق المؤلف لما في ذهنه، لا لاختلاف حقيقي موجود في الواقع.

(3) سبق منا أن نقضنا كل الأسس التي بنا عليها هذه الضابطة، وأنها لا تتوافق مع ما جاء في المذهب، فهي فاسدة في التعبير عنه، وما بني على الفاسد فهو فاسد، ولا حاجة لإعادة ما سبق هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت