فهرس الكتاب
قلت: الظاهر أن مسألتي المكعب المفضض واتخاذ الخف والقميص الكراهة فيهما أشبه بقول الصاحبين بخلاف أبي حنيفة، فإن عدم الكراهة أشبه بقوله؛ لأن المعصية ليست بعين المكعب المفضض؛ لأن عينه ليست منكرًا؛ وإنما باستعمال المحظور، وأما في الخف والقميص، فإن عمله ليس بمعصية، وإنما المعصية بفعل فاعل مختار، فانقطع عنه، ويؤيد ما ذكرت في هذه المسألة بما يلي:
أولًا: في نسخة (( المحيط ) )260 التي عندي منقولة عن (( واقعات الناطفي ) )، والمثبت فيها في مسالة الخف والقميص: له أن يفعل ذلك. ولم يذكر كراهة، وإن نبه المحقق في الهامش أنه في نسخة: فإني لا أرى أن يفعل ذلك. ثم ذكر مسألة المكعب بعدها، فقال: قالوا: وبيع المكعب المفضض من الرجال إذا علم أنه يلبس مكروه.
وثانيًا: أنه ذكر في (( المحيط ) )231: الإناء المضبب وكذلك الكرسي المضبب بالذهب والفضة لا بأس عليه عند أبي حنيفة إذا لم يقعد على موضع الذهب، وكذلك جعل المصحف مذهبًا أو مفضضًا لا بأس به عند أبي حنيفة وكره عند أبي يوسف، وقياس قول أبي حنيفة أن لا يكره في الثياب والسرج واللجام، وقول محمد مثل قول أبي يوسف، ولأبي حنيفة أن الأصل في المخلوقات إباحة الانتفاع بها، والحرمة لعارض، والنص ورد في تحريم الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة، فكل ما كان يشبه المنصوص عليه في الاستعمال يلحق بالمنصوص عليه، وما لا يشبه المنصوص عليه يبقى على أصل الإباحة، وهناك يتصل الذهب والفضة ببدنه وهنا لم يتصل ببدنه، فلم يكن نظير المنصوص عليه في الاستعمال، فالحاصل أن أبا حنيفة على هذا الوجه اعتبر حرمان الاستعمال فيما يتصل ببدنه صورة، والثاني: أن هذا تابع فلا يكره، كالجبة المكفوفة بالحرير، والعلم في الثوب، وقياسًا على لاشرب من يده على خنصره خاتم فضة، فإن ذلك لا يكره. انتهى.
فتبين من هذه المسألة أن لا كراهة عند أبي حنيفة في المكعب المفضض، فكيف يكره بيعه، والله أعلم وعلمه أحكم.