فهرس الكتاب
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأئمة الأربعة وغيرهم فيقرّون بما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -"أن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة" [1] .
يخرجهم بشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ويخرج آخرين بشفاعة غيره، ويخرج قومًا بلا شفاعة. هذا كله ورد في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وغيرهما في الصحيحين، ومفاده: أن الله عز وجل يأذن للنبي صلى الله عليه وسلم بعدة شفاعات: منها شفاعته للخلائق جميعًا بأن يفصل الله بينهم القضاء، ومنها شفاعته صلى الله عليه وسلم لطوائف من أهل الجنة بأن تفتح لهم أبوابها بعد أن توصد أمامهم، ومنها شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته، ومنها شفاعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين والملائكة، ومنها شفاعة القرآن، وشفاعة الصيام .. كل هذه شفاعات يأذن الله بها ووردت أيضًا في الحديث، ثم بعد ذلك ثبت الخبر أن الله عز وجل حينما تحدث جميع هذه الشفاعات يقول الله عز وجل: شفع الملائكة وشفع النبيون ولم تبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيقبض قبضة بيده من أهل النار، فيخرجهم منها، ومنهم من لم يعمل خيرًا قط، والله فعال لما يريد، له في عباده شئون، ويفعل في خلقه ما يشاء، ورحمته وسعت كل شيء، وذلك كله إلى الله عز وجل، وفي ذلك إعلام للعباد بألا يتألوا على الله، وليعلموا أن الأمور بيد الله، وليس للعباد أن يحكموا بأحكام على غيرهم، وليس لهم بأن يحكموا أفعال الله عز وجل بمقاييسهم، فالله فعال لما يريد، لو عذب الخلق جميعًا فله ذلك، ولو رحمهم جميعًا فله ذلك، لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. إذًا: بعد استنفاذ الشفاعات يحدث هذا الذي يحدث، وهو أن الله عز وجل يخرج أقوامًا من النار لم يعملوا خيرًا قط.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه: ح (191) , كتاب الإيمان , 1/ 417.