فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 252

فلم ينه - الله تعالى - عن المباشرة إلا من اعتكف في المسجد وتخصيصه بالذكر يقتضي أن ما عداه بخلافه وتبقى مباشرة العاكف في غير المسجد على الإباحة، ولما لم يكن العاكف في غير المسجد منهيًا عن المباشرة علم أنه ليس باعتكاف شرعي؛ لأنا لا نعني بالاعتكاف الشرعي إلا ما تحرم معه المباشرة كما أنا لا نعني بالصوم الشرعي إلا ما حرم فيه الأكل والشرب.

فإن قيل: فقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} دليل على أنه قد يكون عاكفًا في غير المسجد؛ لأن التقييد بالصفة بما لولاه لدخل في المطلق.

أجيب: لا ريب أن كل مقيم في مكان ملازم له فهو عاكف، لكن الكلام في النوع الذي شرعه الله تعالى، كما أن كل ممسك يسمى صائمًا، وكل قاصد يسمى متيممًا، ثم لما أمر الله تعالى بتيمم الصعيد، وأمر بالإمساك عن المفطرات صار ذلك هو النوع المشروع، على أن الصفة قد تكون للتبيين والإيضاح كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [1] ، وقوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [2] ، ونحو ذلك [3] .

ولما روت عائشة رضي الله عنها، قالت:"إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا"متفق عليه [4] .

ولما يأتي أيضًا من الأحاديث الدالة على اعتبار المسجد لصحة الاعتكاف.

وحكي إجماعًا، قال القرطبي:"أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد" [5] .

(1) سورة المؤمنون، آية 117.

(2) سورة البقرة، آية 61.

(3) شرح العمدة 2/ 721، وانظر أيضًا: أحكام القرآن للجصاص 1/ 243.

(4) أخرجه البخاري في كتاب الاعتكاف، باب لا يدخل البيت إلا لحاجة (ح2029) ، ومسلم في الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها (ح297) .

(5) أحكام القرآن للقرطبي 2/ 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت