فهرس الكتاب
صلاة الجماعة في المساجد، والاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الجماعة يؤدي إلى أحد محذورين: إما ترك واجب وهو صلاة الجماعة، أو كثرة الخروج من المسجد لأداء صلاة الجماعة وهو مناف لركن الاعتكاف" [1] ."
وأما دليل من قال: لا يصح الاعتكاف إلا مسجد جامع ما يلي:
1 -قول عائشة رضي الله عنها السابق، وفيه:"... ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع" [2] .
وتقدم أنه مدرج من الزهري.
2 -قول علي رضي الله عنه:"لا اعتكاف إلا في مصر جامع" [3] .
ونوقش: بعدم ثبوته.
وأما دليل من قال: لا يصح الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة:
فحديث حذيفة رضي الله عنه، أنه قال لعبدالله بن مسعود رضي الله عنه:"عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا يضر؟ وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة. فقال عبدالله: لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا" [4] .
(1) انظر: المغني 4/ 461.
(2) تقدم ص117.
(3) أخرجه ابن أبي شيبة 3/ 91، من طريقين في أحدهما جابر الجعفي، وفي الآخر الحارث الأعور.
(4) هذا روي مرفوعًا وورد موقوفًا.
أما المرفوع فأخرجه سعيد بن منصور في سننه كما في الفروع 3/ 152، وابن حزم في المحلى 5/ 195، فرواه سعيد بن منصور عن سفيان عن جامع بن راشد عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: حذيفة لعبدالله بن مسعود:"إن قومًا عكوفًا بين دارك ودار الأشعري فلا تغير، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، أو قال في مسجد جماعة، فقال عبدالله لعلهم أصابوا وأخطأت، وحفظوا ونسيت".
لكن قال ابن حزم في المحلى 5/ 195:"هذا شك من حذيفة أو ممن دونه، ولو أنه عليه السلام قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة لحفظه الله تعالى علينا، ولم يدخل فيه شكًا فصح يقينًا أنه عليه السلام لم يقل قط".
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 4/ 316 من طريق محمود بن آدم المروزي عن سفيان به بلفظ:"قال حذيفة لعبدالله - يعني ابن مسعود - عكوفًا بين دارك ودار أبي موسى، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام، أو قال: إلا في المساجد الثلاثة، فقال عبدالله: لعلك نسيت وحفظوا، أو أخأت وأصابوا، الشك مني".
ومحمود بن آدم المروزي ثقة. إلا أنه اضطرب في متنه.
وأخرجه الذهبي في السير 15/ 81 من طريق محمود بن آدم ... الخ، بلا شك، وقال الذهبي:"صحيح غريب عال"لكن خالفه عبدالرزاق كما يأتي.
وأخرجه الطحاوي في المشكل 7/ 201، من طريق هشام بن عمار، والإسماعيلي في معجمه 2/ 720 من طريق محمد بن الفرج كلاهما - هشام ومحمد - عن سفين عن جامع عن شقيق قال حذيفة لعبدالله:"عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تغير، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد بيت المقدس، قال عبدالله: لعلك نسيت وحفظوا، وأخطأت وأصابوا"."
وفي التقريب 2/ 320:"هشام بن عمار بن نصير السلمي، صدوق مقريء كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح مات سنة (145هـ) "، فحفظه فيه كلام.
وفي التقريب أيضًا 2/ 200:"محمد بن الفرج بن عبدالوارث القرشي البغدادي صدوق مات سنة (136هـ) ."
وأما الموقوف فأخرجه عبدالرزاق في مصنفه 4/ 348 عن سفيان بن عيينة عن جامع بن راشد قال سمعت أبا وائل يقول:"قال حذيفة لعبدالله: قوم عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تنهاهم؟ فقال عبدالله: فلعلهم أصابوا وأخطأت وحفظوا ونسيت، فقال حذيفة: لا اعتكاف إلا في هذه المساجد الثلاثة: مسجد المدينة ومسجد مكة، ومسجد إيلياء"هكذا موقوفًا.
وهذا أرجح؛ لأن هشام بن عمار ومحمد بن الفرج دون عبدالرزاق في الحفظ والإتقان. ويدل لذلك أيضًا ما أخرجه عبدالرزاق 4/ 347 من طريق الثوري عن واصل الأحدب عن إبراهيم النخعي قال:"جاء حذيفة إلى عبدالله فقال: ألا أعجب من ناس عكوف بين دارك ودار الأشعري فقال عبدالله: لعلهم أصابوا وأخطأت، فقال حذيفة: ما أبالي فيه أعتكف أو المدينة ومسجد الأقصى، وكان الذين اعتكفوا فعاب عليهم حذيفة في مسجد الكوفة الأكبر"وسنده صحيح، ومراسيل النخعي عن ابن مسعود خاصة صحيحة. (انظر: تهذيب الكمال 2/ 239، وشرح علل الترمذي لابن رجب 1/ 542) .