من الحديث ما كان هذا سبيله وأمر بالتثبت فيه والتوثق لما يحكيه من ذلك، فلا يرويه حتى يكون معزيًا إلى ثبت ومرويًا عن ثقة، وقد قيل: الراوية أحد الكاذبين" [1] ."
وما أشبه من هذا حاله بمن ينقل معلوماته عن المجاهيل أو من التجمعات العامة، فإذا سئل عن مصدر خبره قال: حدثني من لا أتهم، أو أخبرني الثقة، أو حدثني من لو كان البخاري حيًا لجعله من شيوخه، إلى غير ذلك من المبالغات والمجازفات، وخلاصة القضية أن في نفسه قناعات مبنية على أوهام وأحقاد، أراد إثباتها بهذه النقولات الهشة والأخبار الملفقة.
وبالمناسبة، فإن هذا التوثيق غير مقبول عند الأئمة فإنهم قالوا:"إذا روى الثقة العدل في حديثه فقال: حدثني الثقة من غير تسمية له أو قال: حدثني من لا أتهم، فهل يقبل هذا ويكتفى به عند المحدثين أم لا يقبل؟"
الذي يقتضيه الإنصاف ويكون أبرأ للذمة وأمكن في العهدة أنه لا يقبل حتى يسميه، لأنه لو كان هذا المبهم ثقة عند الراوي عنه فربما لو سماه لكان ممن جرحه غيره بجرح قادح، ثم إن امتناعه عن تسميته ريبة توقع ترددًا في القلب، فلا يقبل إلا تسمية المروي عنه، وهذا ما جنح له من الشافعية المتقدمين أبو بكر الصيرفي، والماوردي والروياني من المحدثين الخطيب البغدادي وابن الصلاح والنووي والسيوطي وآخرون [2] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" [3] ، قال ابن حبان عند ذكر الخبر السابق:"في هذا الخبر الزجر للمرء أن يحدث بكل ما سمع حتى يعلم على اليقين صحته ثم يحدث به دون ما لا يصح" [4] .
(1) معالم السنة [ج4، ص130] .
(2) .انظر، فتح المغيث [ج1، ص288] ، والكفاية [ص150] ، ومقدمة ابن الصلاح، [ص143] ، وتدريب الراوي [ص205] ، والخلاصة للطيبي، [ص90] ، وإرشاد الفحول، [ص67] .
(3) رواه مسلم [المقدمة باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، ج1، ص10، رقم5] وأبو داود [كتاب الأدب، رقم 4993] من حديث أبي هريرة.
(4) المجروحين، [ج1، ص6] .