فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 102

والمتأمل في منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التنبيه على الأخطاء يجد أنه عليه الصلاة والسلام في معظم أحواله يكتفي بالبيان العالم كقوله:"ما بال أقوام، أو ما بال رجال"ونحو ذلك، ومن ذلك ما ورد في قصة الثلاثة الذين جاؤوا إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ليسألوا عن عبادته فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما بال أقوام يقولون كذا وكذا" [1] .

ومن ذلك حديث القبرين اللذين مر عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير" [2] .

فلم يذكر اسمي الرجلين، بل أشار إلى ما وقعا فيه من الخطأ محذرًا من ذلك، فحصل المقصود والغرض.

قال الحافظ ابن حجر تعليقًا على هذا الحديث:"لم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما، والظاهر أن ذلك كان على عمد من الرواة لقصد الستر عليهما، وهو عمل مستحسن، وينبغي أن لا يبالغ في الفحص عن تسمية من وقع في حقه ما يذم به" [3] .

ولما أرادت عائشة رضي الله عنها شراء جارية اسمها بريرة رفض أهلها بيعها إلا بشرط أن يكون الولاء لهم، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:"ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" [4] .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا فرخَّص فيه فتنزَّه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله، ثم قال:"ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية" [5] .

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبالة المسجد فأقبل على الناس، فقال:"ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخّعُ أمامه؟ أيحب أحدكم أن يُستَقبَل فيُتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا"ووصف القاسم فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض [6] .

وروى النسائي في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الصبح فقرأ الروم، فالتبَسَ عليه، فلما صلى قال:"ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور، فإنما يَلبِسُ علينا القرآن أولئك" [7] .

والأمثلة في هذا الباب كثيرة يجمعها استخدام أسلوب التعريض، وعدم فضح صاحب الخطأ.

وعلى هذا النهج سار الصحابة فمن بعدهم، ففي قصة الخلاف الذي وقع بين الزبير ورجل من الأنصار في السقي، وفيه أنهما تحاكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم

(1) أخرجه البخاري [كتاب النكاح رقم 5063] ومسلم [كتاب النكاح رقم 1401] .

(2) أخرجه البخاري [كتاب الوضوء رقم الحديث 216] ومسلم [كتاب الطهارة رقم 292] .

(3) فتح الباري [ج1 ص220] .

(4) رواه البخاري [ج2 ص981 رقم 2548] .

(5) رواه البخاري [ج5 ص2263 رقم 5750] ومسلم [ج4 ص1829 رقم 2356] .

(6) رواه البخاري [ج1 ص160 رقم 401] ومسلم [ج1 ص389 رقم 550] .

(7) المجتبي [ج2 ص156 رقم947] وأحمد [ج5 ص363.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت