فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قال الشافعي:"ذوو الهيئات الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة" [1] .
وبهذا المنهج عامل النبي صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة حينما كتب لكفار قريش عن تحركه لغزوهم.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:"بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد والزبير - وكلنا فارس - قال:"انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأة من المشركين معها كتابٌ من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين"فأدركناها وهي تسير على بعير لها، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: الكتاب، فقالت: ما معي من كتابٍ، فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابًا فقلنا: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لنجردنك، فلما رأيت الجِدَّ أهوت إلى حُجْزَتها - وهي محتجزة بكساء - فأخرجته فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: يا رسول الله، قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني لأضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما حملك على ما صنعت؟"قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنًا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أردت أن تكون لي عند القوم يدٌ يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحدٌ من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال صلى الله عليه وسلم:"صدق ولا تقولوا له إلا خيرًا"فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه، فقال:"أليس من أهل بدر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم"فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم [2] ."
قال ابن القيم رحمه الله:"وقد - ارتكب أي حاطب- مثل ذلك الذنب العظيم فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه شهد بدرًا، فدل على أن مقتضى عقوبته قائم لكن منع من ترتيب أثره عليه ما له من المشهد العظيم، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات" [3] .
وثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلًا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه وكان يلقب حِمارًا، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله" [4] أي: الذي علمته.
فهذا الصحابي زلت قدمه ولكن لا يعني أنه فاسد بالكلية بل له من الصفات الحميدة ما توجب محبته وموالاته، وعلى هذا النهج سار خير الأمة من التابعين فمن بعدهم يقول سعيد بن المسيب:"إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن نذكر عيوبه، ومن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله [5] ."
وقال الحافظ ابن رجب:"والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه" [6] .
وقال الإمام أحمد:"ما رأيت أحدًا أقل خطأ من يحيى بن سعيد ولقد أخطأ في أحاديث ثم قال: ومن يعرى من الخطأ والتصحيف" [7] .
(1) النهاية في غريب الحديث [ج5 ص285] .
(2) رواه البخاري [ج4 ص19 كتاب الجهاد باب الجاسوس] [وج5 ص9 كتاب المغازي باب فضل من شهد بدر] و [ج5 ص89 المغازي باب غزوة الفتح] ومسلم [ص1941 رقم 2494 فضائل الصحابة باب من فضائل أهل بدر] وأبو داود [ج3 ص47 رقم 2650 2561، الجهاد، باب في حكم الجاسوس] والترمذي [ج5 ص82 رقم 3360] كتاب التفسير، سورة الممتحنة.
(3) مفتاح دار السعادة [ج1 ص176] .
(4) أخرجه البخاري [كتاب الحدود رقم6780] .
(5) البداية والنهاية [ج9 ص100] والكفاية [ص138] .
(6) القواعد لابن رجب [ص3] .
(7) سير أعلام النبلاء [ج9 ص181] والآداب الشرعية [ج2 ص141] .