فهرس الكتاب
لا أكون مجافيًا للحقيقة لو قلت أنه لا قصيدة من قصائد شاعرنا الكبير عبد الرحمن بارود تخلو من الرمز، وكما يقول الدكتور محمد صيام"عشقه الشديد للرمز في أشعاره، تزيينه أبياته بالأخيلة، والصور البلاغية الجميلة" [1] .
استمع إليه وهو يقول في قصيدته"مرارة وصرخة" [2] :
ادفني قتلاك وارضي بالمصيبة ... واذهبي عاصفة الليل غريبة
واقبعي حول الضحايا واذكري ... عُمُرًا مرًّا وأوطانًا سليبة
وادخلي السجن الذي شيّدته ... وتواري في الزنازين العصيبة
وارسفي في القيد حتى تهرمي ... واكبتي أغنية الموت كئيبة
واتركي الطوفان يعلو موجه ... ويغطي هذه الأرض الجديبة
وفي قصيدته"حصاد القرون" [3] نراه يستعمل الرمز بشكل بارز وواضح:
أيها العاذلون، لا تعذلوني ... إن هذا حصاد كل القرون
قذفتني الأمواج في شعب ... المرجان في ليلة بغير عيون
في حُطام من المجاديف طافٍ ... وقلوع من غارقات السفين
يا خليلي ما للبحار خليل ... إن للبحر نوبة من جنون
أين مني أسراب خيل عتاق ... سحقت ما أمامها من حصون
أين مني العَرار والقمر الفضي بدرٌ ومائسات الغصون
والأمر يطول لو أردنا أن نقف عند كل قصائده، ولكن سأكتفي بهذا الجزء من قصيدة"هدايانا" [4] :
عفوًا طيبة
جئنا بعقود تبرق من صدفات بحرية
لتكون لجيدك زينة
يا لهدايانا المسكينة
تحكي كسر زجاج بين كنوز أزلية
كسر زجاج وقعت بين شموس وبدور وكواكب درّية
طيبة قبس من نور القدوس أضاء
والكرة الأرضية
بكرٌ عذراء
ما وطئتها قدم بشرية
المطلب الثاني
في موضوع القصيدة
من الملاحظ على شاعرنا عبد الرحمن بارود، أنه ومنذ اللحظة الأولى التي انطلق فيها، حمل رسالته وهو مؤمن بها أشد الإيمان، وقد تمثلت هذه الرسالة في عدة قضايا، هذه القضايا نثرها في قصائده كثيرًا وبشكل واضح، دون خوف أو خجل.
(1) المصدر السابق: ص27.
(2) المصدر السابق: عبد الرحمن بارود، ص92.
(3) المصدر السابق: ص151.
(4) المصدر السابق: ص235.