فهرس الكتاب
و قد تناول الجاحظ هذه المسألة في تأويله لحديث الرسول عليه السلام:"نحن معاشر الأنبياء بكاء" [1] ، فيفسر البكاء بأنه القلة، و أن المراد بقلة الكلام هنا ترك التكلف و البعد عن الصنعة، و إيراد الألفاظ بقدر يدل على ما في الضمير، ثم يستدل على ذلك فيقول: وقد علمنا أمر من يقرض الشعر و يتكلف الأسجاع، و يؤلف المزدوج و يتقدم في تحبير المنثور، و قد تعمق في المعاني و تكلف إقامة الوزن، و الذي تجود به الطبيعة و تعطيه النفس سهوًا رهوًا، مع قلة لفظه و عدد هجائه أحمد أمرًا و أحسن موقعًا في القلوب، و أنفع للمستمعين من كثير خرج بالكد و العلاج، و لأن التقدم فيه و جمع النفس له، وحصر الفكر عليه لا يكون إلاممن يحب السمعة، و يهوى الفلج و الاستطالة، و ليس بين حال المتنافسين و بين حال المتحاسدين إلا حجاب رقيق، وحجاز ضعيف، و الأنبياء بمندوحة من هذه الصفة و في ضد هذه الشيمة. [2]
على أن النقاد ما لبثوا أن أجبروا على تناول المسألة من وجه آخر، فالشعراء الذين كانوا يصنعون الشعر لم يكن لهم بد من أن يصطنعوا المشاعر أيضًا، و كانوا ينجحون في ذلك كثيرًا أو قليلًا، و لكن أحدًا لم يكن ليطالبهم بالصدق في جميع ما يقولون على كل حال، و كانوا في التماسهم لفنون القول و محاولتهم التأثير في السامعين يعمدون إلى شيء من المبالغة، فبحث النقاد في هذه المبالغة، و أصبحت مسألة الصدق و الكذب تدور حول مطابقة الواقع الخارجي أو الانحراف عنه [3] .
(1) أنظر؛ ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث، ص 1/ 148.
(2) أنظر؛ الجاحظ: البيان و التبيين، ص 571.
(3) أنظر؛ ارسطو طاليس: في الشعر، ترجمة: متى بن يونس، ص 266.