فهرس الكتاب
فأفضل الشعر ما حسنت محاكاته و هيئته، و قويت شهرته أو صدقه أو خفي كذبه، و قامت غرابته، و إن كان قد يعد حذقًا للشاعر اقتداره على ترويج الكذب و تمويهه على النفس، و إعجالها إلى التأثير له قبل إعمالها الروية فيما هو عليه، فهذا يرجع إلى الشاعر و شدة تخييله في إيقاع الدلسة للنفس في الكلام، فأما أن يكون ذلك بشيء يرجع إلى ذات الكلام فلا. [1]
بعد هذا الحديث عن الصدق و الكذب في صناعة الشعر، و من خلال ما تركه لنا شاعرنا عبد الرحمن بارود سنحاول أن نضع أيدينا على مدى التزام الشاعر بالصدق فيما يقول من شعر، و بعده ولا نبالغ إن قلنا كليًا عن الكذب، فالشاعر حينما تناول موضوعاته تناولها بصدق كامل، فحديثه عن وطنه و غربته و شوقه لهذا الوطن و حديثه عن دينه الإسلامي و غيرها من موضوعات نجده يلتزم الصدق و الصدق الكامل.
فهو حينما يصف معركة بين أبناء وطنه و بين المحتل الصهيوني نراه لا يبالغ فيما يصف، لنستمع له في قصيدة"وصف المعركة" [2] و هو يقول:
قد كنت يومًا في بلادي ماشيًا ... لم أمشي إلا والمدافع تقصف
صوت القنابل والرصاص كأنه ... رعد وأفعى في الأعالي تزحف
أعداؤنا شنوا هجومًا ليسلبوا ... وطنًا من الأهلين وهو مشرّف
ما كان إلا أن نهرول نحوهم ... كنا سراعًا بالقصائد نهتف
تحيى فلسطين العزيزة إنها ... للطامعين مذلة وتعّسُّف
سقناهم فتسربلوا حُلل الردى ... وكذاك نفعل دائمًا بل نحلف
أجسادهم فوق البطاح تبعثرت ... حظ النسور إذا النُّمورة تأنف
فالشاعر هنا في غاية الصدق و هو يصف الأحداث التي يراها بنفسه بعيدًا عن المبالغة و التزيد.
و في قصيدة من قصائد الفخر و الاعتزاز بعنوان"قيم" [3] نسمعه و بكل الصدق يقول:
و تآخينا اثنين اثنين ... و حلَّقْنا فوق الثّقلين
أنزلْنا نسبَ الإنسان ... و أعلينا نسب الرحمن
(1) المصدر السابق: ص، 268.
(2) الأعمال الكاملة: عبد الرحمن بارود، ص 50.
(3) المصدر السابق: ص 257.