فهرس الكتاب
وينبغي تغيير حال المعصية بحال الطاعة، وذلك بتغيير اللباس: باستبدال ما عليه من حرام بالحلال, وتغيير المجلس: بترك مجالس اللهو واللعب واستبدالها بمجالس العلماء والذكر، وتغيير الطعام: بأكل الحلال وترك ما فيه شبهة فضلًا عن ترك الحرام وتغيير النفقة: بترك الحرام وكسب الحلال وتغيير الفراش: بالقيام بالليل عوض ما كان يشغله بالبطالة والغفلة والمعصية كما قال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) [1] . وتغيير الخلق: بأن ينقلب خلقه من الشدة إلى اللين ومن الضيق إلى السعة ومن الشكاسة إلى السماحة وتوسيع الكف بالسخاء والإيثار بالعطاء, وهكذا يبدل كل ما كان عليه كشرب الخمر بكسر الإناء سقي اللبن والعسل والزنا بكفالة الأرملة واليتيمة وتجهيزهما ويكون مع ذلك نادمًا على ما سلف منه ومتحسرًا على ما ضيع من عمره فإذا كملت التَوْبَة بالخصال التي ذكرنا والشروط التي بينا تقبلها الله بكرمه كما قال تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [2] .
ومن هنا فالواجب على المرء المبادرة للتوبة والأوبة قبل الموت , قال الله تعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ) [3] أي قبل معاينة ملك الموت. وقال تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [4] أي لا تقبل التَوْبَة بعد الغرغرة ومشاهدة المحتضر لملك الموت , فعن عبد الله بن عمرو عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ الله تعالى يَقْبَلُ توبةَ العبْدِ ما لمْ يُغَرْغِرْ) [5] يقول المباركفوري:"أي: ما لم تبلغ الروح إلى الحلقوم يعني ما لم يتيقن الموت فإن التَوْبَة بعد"
(1) السجدة: 16
(2) طه: 82
(3) النساء: 17
(4) النساء:18
(5) أَخرَجَه التِّرْمِذيُّ في كِتَاب الدعوات بَاب: في فضل التوبة والاستغفار (3537) ، وابن مَاجَة في سننه في ... كِتَاب الزهد بَاب: ذكر التوبة (4253) . وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1903) .