فهرس الكتاب
فلا تسأل عن كربه وألمه ولذلك لا يقدر على الصياح مع شدة الألم لزيادة الكرب حَيْثُ قهر كل قوة , وأضعف كل جارحة فلم يبق له قوة الاستغاثة.
أمَّا العقلُ فقد غَشيه وشَوشه وان سألتَهُ عن أمرٍ عرفه تارة وجهله أخرى. و أمَّا اللسانُ فقد حجزه وأبكمه فلا يصدر منه عند الشدة إلاَّ التأوه. و أمَّا الأطراف فقد ضعفها ووهنها وخدرها فلا يرفع يدا ولا يحرك رجلا , وإن بقيت فيه قوة سُمعت له عند نزع الروح وجذبها خوارًا وغرغرة من حلقه وصدره وقد تغير لونه وأربد وجهه حَتَّى كأنه ظهر من التراب الذي هو أصله. وقد جذب منه كل عرق على حدته فالألم منتشر في داخله وخارجه حَتَّى ترتفعَ الحدقتان إلى أعالي أجفانه. وتتقلصَ الشفتان ويتقلصَ اللسان وتخضرَ أناملُه فلا تسأل عن بدن يُجذب منه كل عرقٍ من عروقه.
يا أخي ألا تتعظ من رجل َقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنَهُ وَغَارَتْ عَيْنَاهُ وَمَالَ عُنُقُهُ وَأَنْفُهُ وَذَهَبَ حُسْنُهُ وَجَمَالُهُ وَخَرِسَ لِسَانُهُ وَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَصْدِقَائِهِ يَنْظُر وَلا يَفْعَلَ وَيَسْمَعُ وَلا يَنْطِق يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِيمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَوْلادِهِ وَأَهْلِهِ وَإِخْوَتِهِ وَأَقَارِبِهِ وَأَحْبَابِهِ وَجِيرَانِهِ يَنْظُرُونَ مَا يُقَاسِيهِ مِنْ كَرْبٍ وَشِدَّةٍ وَلَكِنَّهُمْ عَنْ إنْقَاذِهِ أَوْ تَخْفِيفِ كَرْبِهِ عَاجِزُون. وَبَعْدَ أَنْ كَانُوا يُحِبُّونَ حَيَاتَهُ وَبَقَاءَهُ صَارُوا يَتَمَنَّوْنَ مَوْتَهُ وَرَاحَتَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَمَّا قَلِيلٍ مَأْخُوذٌ مِنْ بَيْنِهِمْ حَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلَى مَنْعِهِ وَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدِّ رُوحِِهِ إلى بَدَنِه قَالَ تَعَالَى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [1] .
ثُمَّ لاَ يَزَالُ يُعَالجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَشَدَائِدَه وَيَشْتَدُّ بِهِ النَّزْع وَجَعَلَ يُتَابعُ نَفَسَه وَاخْتَلَّ نَبْضُه وَتَعَطَّلَ سَمْعُه وَبَصَرُه كَمَا تَعَطَّلَ قَبْلَ ذَلِكَ لِسَانُه ثُمَّ يموت كل عضو من أعضائه تدريجًا فتبرد أولًا قدماه ثُمَّ ساقاه ثُمَّ فخذاه ولكل عضو سكرة بعد سكرة وكربة بعد كربة حَتَّى يبلغ بها إلى الحلقوم حَتَّى إذَا جَاءَ الأَجلُ وَنَفَذَ الْقَضَاءُ وَفَاضَتْ رُوحُهُ إلَى السَّمَاء صَارَ جُثَّةً هَامدَةً وَجيفَةًً بَيْنَ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِه قَدْ اسْتَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهْ وَتَبَاعَدُوا وَمَاتَ اسْمُهُ الَّذِي كَانُوا يَعْرَفُونَهُ كَمَا مَاتَ شَخْصُهُ الّذِيِ كَانُوا يَأنَسُونَ بِهِ وأصْبَحُوا يَقُولُونَ الْمَيْتُ بَعْدَ أَنْ كَانَوا يُنَادُونَهُ بِاسْمِهِ حَيًا. فَإنا لله
(1) الواقعة 83 - 87