الصفحة 7 من 217

لو فسدت إلى الأسطقسات لكانت جزءا من عالم آخر. لأنه لا يصح أن تكون من الأسطقسات المحصورة فيها لأن هذه الأسطقسات هي جزء لا مقدار له بالإضافة إليها، بل نسبته منها نسبة النقطة من الدائرة. و لو خلعت صورتها و قبلت صورة أخرى لكان هاهنا جسم سادس مضاد لها، ليس هو لا سماء و لا أرضا، و لا ماء و لا هواء، و لا نارا، و ذلك كله مستحيل )) [1] .

فواضح من ذلك أنه انتصر للرأي القائل بعدم فساد السماء، بأوهام و ظنون زائفة. و هذا موقف باطل شرعا و علما، كما سبق أن بيناه من جهة، و هو مخالف للشرع مخالفة صريحة تعمد ابن رشد القول به من جهة أخرى. لأن الشرع نص صراحة على أن العالم كله سينتهي و يفسد و يضطرب، كقوله سبحانه: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ {1} وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ {2} وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ {3} وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ {4} وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ {5} وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ {6} وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ {7} وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ {8} بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ {9} وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ {10} وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ {11} - سورة التكوير: 1 - 11. و {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} الأنبياء 104 - . و {فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} الرحمن 37 - . فلماذا هذا الرجل يتعمد مخالفة الشرع في أصوله، و ينتصر بالظنون و الأباطيل لأوهام أرسطو و أصحابه؟؟!!.

و النموذج الأخير- التاسع- مفاده أنه عندما كان ابن رشد يرد على الأشعرية في موقفها من خلق العالم من عدم، أشار إلى موقف الشرع من ذلك و رد به على موقفها- أي الأشعرية-. فجاء في كلامه حق و باطل، و تغليط و تلبيس، و لم يلتزم بالمنهج الصحيح في تفسير النصوص الشرعية، و إنما مارس الانتقاء و التعميم و الإغفال، و هذا الذي سيتبين بعد عرض موقفه، فقال: (( و ينبغي أن تعلم أن الحدوث الذي صرح الشرع به في هذا العالم، و هو من نوع الحدوث المشاهد هاهنا، و هو الذي يكون في صور الموجودات التي يسمونها - الأشعرية- صفات نفسية، و تسميها الفلاسفة صورا. و هذا الحدوث إنما يكون من شيء آخر، و في زمان. و يدل على ذلك قوله تعالى:" {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} الأنبياء 30 - ، و قوله سبحانه: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} فصلت 11 - . و أما كيف حال طبيعة الموجود الممكن مع الوجود الضروري فسكت عنه الشرع لبعده عن أفهام الناس، و لأن معرفته ليست ضرورية في سعادة الجمهور ) ).و أما (( الذي تزعم الأشعرية من أن طبيعة الممكن مخترعه و حادثة من غير شيء، فهو الذي يخالفهم فيه الفلاسفة: مَنْ قال منهم بحدوث العالم أو لم يقل. فما قالوه ("

(1) تهافت التهافت، ص: 205، 206.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت