الصفحة 8 من 217

الأشعرية) إذا تأملته بالحقيقة ليس هو من شريعة المسلمين و لا يقوم عليه برهان. و الذي يظهر من الشريعة هو النهي عن المفاحص التي سكت عنها الشرع. و لذلك جاء في الحديث"لا يزال الناس يتفكرون حتى يقولوا: هذا خلق الله، فمن خلق الله؟ فقال النبي عليه السلام إذا وجد أحدكم فليقرأ"قل هو الله أحد" [1] . فأَعْلَمَ أن الجمهور إلى مثل هذا الطلب هو من باب الوسوسة، و لذلك قال:"هذا محض الإيمان" [2] [3] ."

و أقول: كلامه هذا غير صحيح في معظمه، و فيه تغليط و تلبيس، و قلة موضوعية و إنصاف. لأنه أولا كان على ابن رشد عندما عرض موضوع خلق العالم - و ليس حدوثه، لأن الشرع سماه خلقا لا حدوثا- أن يجمع كل النصوص الشرعية و يجعلها تفسر نفسها بنفسها، لكنه لم يفعل هذا، و إنما ذكر منها آيتين و فسرهما حسب ما ذكرناه عنه، و أغفل النصوص الأخرى المتعلقة بقدرة الله و فعله من جهة، و بخلقه لكل الموجودات من جهة أخرى. و لهذا جانب الصواب ابن رشد في عرضه لموقف الشرع من خلق العالم من عدم أو من مادة مُسبقة. و الشواهد الآتية تبين ذلك بوضوح:

الشاهد الأول مفاده أن الله تعالى أكد على أنه سبحانه هو الخالق الواحد الأحد، و أن كل ما سواه مخلوق، و أنه سبحانه خالق كل شيء. قال سبحانه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ {2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ {3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ {4} - سورة الإخلاص: 1 - 4 - ، و {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الحديد 3 - ، و {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الحشر 24 - ،و {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} الأنعام 102 - . و هذا يعني أنه لا موجود أزلي إلا الله تعالى، و هذا يستلزم أن المخلوقات في نهايتها مخلوقة من عدم، و لا يُوجد منها شيء أزلي، فلا أزلي، و لا أول و لا آخر إلا الله تعالى.

و الشاهد الثاني مفاده أنه صح الحديث أن النبي- عليه الصلاة و السلام - قال: (((كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء ) )،و في رواية (( كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض ... ) ) [4] . فواضح من الحديث أن كل ما سوى الله تعالى مخلوق، لم

(1) أنظر مثلا: مجد الدين ابن الأثير: جامع الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، مكتبة الحلواني - مطبعة الملاح - مكتبة دار البيان، ج 5 ص: 56.

(2) مسلم: الصحيح، ج 1 ص: 88.

(3) تهافت التهافت، ص: 407 - 408.

(4) البخاري: الجامع الصحيح، ج 4، ص: 106، ج 6 ص: 2699.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت