الصفحة 9 من 217

يكن له وجود أصلا، ثم خلقه الله تعالى، لأن الحديث نص على أنه كان الله و لا شيء معه، ثم خلق بعض مخلوقاته.

و الشاهد الثالث أن الله تعالى أكد في عدة آيات انه سبحانه قادر على الخلق من عدم و من غير عدم. كقوله سبحانه: (( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) )-سورة يس: 82 - فواضح من ذلك أن الله تعالى يخلق أيضا من عدم، و الشاهد على هذا أيضا الحديث السابق، فبما أنه سبحانه كان و لم يكن شيء معه، فهذا يعني أنه سبحانه خلق المخلوقات من عدم.

و الشاهد الرابع مفاده أن القرآن الكريم ذكر نوعين من الخلق الأول يعني إيجاد شيء من شيء، لقوله تعالى: (( خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ) )- سورة الرحمن:14 - 15 - . و الثاني يعني إيجاد شيء من غير أصل و لا احتذاء، لقوله تعالى: (( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) )- سورة يونس: 3 -، فلم يقل لنا أنه خلق ذلك من مادة سابقة كما في النوع الأول، فهذا يشهد على أن هذا النوع من الخلق هو الذي يُسمى خلق شيء من لا شيء، و يندرج في قوله تعالى،: (( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) )-سورة يس: 82 - ،و (( هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) )-سورة غافر: 68 - .

و الشاهد الخامس مفاده أن من معاني الخلق في اللغة العربية: إبداع الشيء على مثال لم يُسبق إليه. و إحداث الشيء بعد أن لم يكن. و إيجاد الشيء بعد أن لم يكن موجودا [1] . و بما أن القرآن الكريم هو مصدر اللغة العربية الأول و الأساسي، و بما أنه استخدم عبارة الخلق مرات عديدة جدا، فهذا يعني أن بعضها قصد به الخلق من عدم، و بعضها الآخر قصد به الخلق من مادة مُسبقة، و الشاهد على صحة قولنا هذا، الدليل الذي ذكرناه في الشاهد السابق.

و ثانيا إنه يتبين من ذلك أن قول الأشعرية هو الذي يتفق مع شريعة المسلمين في قولها بالخلق من عدم، و إنما قول ابن رشد و أصحابه بأزلية العالم و أبديته هو الذي لا يتفق مع دين الإسلام، و لا مع العقل الصريح، و لا مع العلم الصحيح كما سبق أن بيناه. كما أن قول الأشعرية بذلك ليس خاصا بها، و إنما

(1) ابن منظور: لسان العرب، ج 10 ص: 858.و مرتضي الزبيدي: تاج العروس، ج 1 ص: 6294 , و ابن الأثير: النهاية في غريب الأثر، المكتبة العلمية، بيروت، 1979، ج 2 ص: 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت