"إن الحكم إلا لله"
ولا ريب أن كل الرسالات الإلهية إنما نزلت لتحكم في الناس بأمر الله، فإذا رفضها الناس فقد طعنوا في الرسالة وفيمن أرسلها وفرضها. وقد كفر القرآن اليهود والنصارى وشنع عليهم لما أعرضوا عن تحكيم التوراة والإنجيل. قال سبحانه {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار .. } إلى قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} .
وقال {وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور .. } إلى قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} . قلت: فإذا كان هذا في أمر الشرائع الخاصة بزمان معين، وبأقوام معينين، فكيف بالشريعة الخاتمة العامة لمن في الأرض أجمعين؟
ولذلك عقب الله سبحانه بعد الآيات السابقة في شأن التوراة والإنجيل، بذكر شريعة القرآن فقال {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} إلى قوله {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} إلى قوله {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} . ومن استقرأ القرآن، خاصة آيات التحكيم والتحاكم في سورتي النساء والمائدة، فإنه يتبين له الحق جليا في هذه المسألة، ولا يبقى عنده أدنى شك في فرضية تحكيم الشريعة، وتحريم تحكيم غيرها، وأنه لا اختيار لأحد في هذا الأمر كائنا من كان.
"خلع الحكام لا خلع الإسلام"
ومن غربة الإسلام في أهله ودياره، ما أفتى به بعض من نصبوا أنفسهم فقهاء وباحثين، بأن تحكيم الشرع الإسلامي خاضع لرغبة الجماهير ورضاهم، وأن سيادة الأمة مقدمة على سيادة الشريعة، إلى غير ذلك من الدعاوى الباطلة، التي لم نكن نظنها تصدر عن جهلة العوام، فضلا عمن نصب نفسه من الأعلام. وقد تتابعوا على إعلان تلك الفتوى وإفشائها في الأمة، كأنها الدين القويم والصراط المستقيم، فصرح بها القرضاوي وطارق السويدان وعبدالله المالكي، الذي توالت الردود عليه من بعض الغيورين من أهل العلم، وفندوا ما أورده في بحثه من شبهات، فانتصر له ونافح عنه حاتم العوني (كعادته) في حشر أنفه في كل خلاف شاذ، ولله في خلقه شئون.
ومن شبه أولئك نصوص من القرآن، منها: قوله تعالى {لا إكراه في الدين} .
* وقوله {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} .
* وقوله {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ} .
* وقوله {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} .
* وقوله {لست عليهم بمسيطر} .
وأشباهها من الآيات التي فهم منها هؤلاء أن تحكيم شريعة القرآن خاضع لرضا الناس، وأنه رهن صناديق الاقتراع ولجان الانتخابات!!
{فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة .. } .
* وأول فرقة مرقت من هذا الدين كانت قد اتخذت القرآن شعارا لها، فكانت تجادل به الصحابة.
وكل الفرق بعدها من الشيعة والقدرية والمرجئة والمعتزلة كانوا يحتجون بما فهموه من الوحي.
فليست العبرة بكثرة الأدلة ولا حشد النصوص، بل بصحة الاستدلال، وهذا لا يتأتى إلا لمن وفقه الله وهداه إلى طريقة السلف في فهم الأدلة الفهم الصحيح.
والآيات التي شبه بها هؤلاء أكثرها منسوخ بآيات التحكيم وآيات القتال.
وقد ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى {لا إكراه في الدين} ستة أقوال،
منها: أنها منسوخة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام.
وساق بقية الأقوال، وخلاصتها: أن من الكفار من لايكره على اعتناق الإسلام، لكنهم محكومون بحكم الإسلام في العموم، وتفرض عليهم الجزية. وأما قوله تعالى {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} ، فهذه وأمثالها من الآيات إنما سيقت لتعزية النبي صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه فإنه كان شديد الحرص على هداية الأمة، فأعلمه الله أن الهداية موكلة إلى مشيئته وحده سبحانه. وقد حرمها أقرب الأقربين للخليلين إبراهيم و محمد عليهما صلوات الله وسلامه. فليس في الآية دليل على التخيير في التحكيم. قال الإمام ابن العربي في تفسير قوله {لا إكراه في الدين} : إن الله سبحانه بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم يدعو الخلق إليه ويوضح لهم السبيل ويبصرهم الدليل، ويحتمل الإذاية والهوان في طريق الدعوة والتبيين، حتى قامت حجة الله واصطفى الله أولياءه، وشرح صدورهم لقبول الحق .. ثم نقله من حال الإذاية إلى العصمة .. وجعل له أنصارا بالقوة، وأمره بالدعاء بالسيف .."."
* وقال في تفسير {لست عليهم بمسيطر} :"كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول أمره معرفا برسالته، مذكرا بنبوته، يدعو الخلق إلى الله، ويذكرهم عهده .. حتى وضحت المحجة، وقامت لله سبحانه الحجة، فلما"