فهرس الكتاب
فكان ذلك سببا في كثير من الاضطراب!! لقد خُدِع جماهيرُ من إخواننا وشباب دعوتنا الأحباء ــ وكلهم محب للدعوة ــ بالتقنين الوهمي للعمل السياسي السلفي, وظنوه ــ بسبب حسن الظن دون دراسة علمية أو مناقشة منهجية ــ من دين الله؛ لاسيما هذه الفزاعة التي رفعها إخواننا المشايخ "نريد مزاحمة العلمانين"!!
وتحت هذه الراية "مزاحمة العلمانين" تم تحويل الرصيد الدعوي السلفي كله تقريبا لصالح الدعوة السياسية الحزبية, وتم إيقاد أحزاب السلفيين بهذا الشباب الطاهر المُبارك المُعَظِم حقا للشرع المحب فعلا لأهل العلم؛ لكنهم بهذا التخويف صاروا أداة طَيِّعة في يد من يخطط لاغتيال الدعوة السلفية وضربها في سويدائها!! إنني أقولها وبصراحة: إن القوة الفعلية التي تخيف جبابرة الأرض هي الدعوة السلفية, وكان القرار: لابد من ضربها وإلغائها وحيدها عن سبيل المؤمنين!! لقد درسوا وأيقنوا أنهم لن يستطيعوا ذلك من الخارج, فلماذا لا نقوم بتأنيسها وترويضها بوضع اللجام في فمها وقودها إلى الهاوية!! كل هذا تحت مُسَمى "العمل السياسي الحزبي", فالالتزام السياسي الحزبي سيفرض نوعا من الفقه الضروري يواكب طبيعة المرحلة, هذا الفقه سيمسخ الدعوى ويجعلها أطلالا يقف عليها المحبون للبكاء والتذكر!! فقبول الديموقراطية لا بأس تحت زعم التفريق بين الآليات، والأصول والفلسفة، وهذا تفريق عجيب!!
وأحيانا القول بأننا نقبل الديموقراطية لأننا فرغناها من خصائصها!! كلام يُضَلُّ به عوام الشباب السلفي ــ أيده الله وأنار بصيرته ــ وبهذا الفقه المغلوط تغيرت فتاوانا إلى فتاوانا المستأنسة المُسيّسة بمشروعية دخول البرلمان, وبفقه المرحلة أجاز فقهاء المرحلة ــ سامحهم الله ــ ترشيح النساء لدخول البرلمان وأوهموا الناس بأنهم سيكونون في ذيل القائمة وأنهم سيزاحمون بالنسوة العلمانيين!! بل الأدهى والأمرُّ: قبول النصارى عبدة الصليب والقول بأنهم يقبلون الشريعة ويرضون بحكمها, وهذا قيد عجيب!!
إنه واقع الانفلات الدعوي باسم الدعوة، وتأسيس الحزبية باسم الدين, والويل والثبور لمن جهر بالحق, إنه مُخَذِّل! إنه يعمل في مربع الأعداء!! إنه لا يفهم القضية!!! ... لقد مُزِج الحزب بالدعوة, والدين بالتدين, والشرع بالرأي, والاجتهاد بالظن, لقد صار معيار الالتزام الحقيقي عند إخواننا ــ سامحهم الله ــ هو الالتزام الحزبي والعمل السياسي!! إن مناقشات الحزب وندواته يُعلن عنها وتكون في المساجد, وصار أمناء الحزب في طول البلاد وعرضها هم طلبة العلم الذين أسلموا مقاودهم لمن يقودهم دون فكر أو تفكر أو مناقشة أو بحث, إنه التقليد, لكن ليس هو التقليد المذهبي, إنما هو أشد وأعظم ضراوة, إنه التقليد الحزبي والالتزام السياسي باسم السلفية والدعوة السلفية منه براء ... إن هذا الواقع ينذر بمستقبل وخيم على الدعوة السلفية التي نحبها ونفدِّيها ونعمل باسمها وتحت لوائها, ونحن أحق بها من غيرنا ممن حَرَّف وزايد ...
إنني أدعو إخواني المشايخ ــ حفظهم الله ــ مَنْ تلوّثوا بهذا الإثم: أن يغسلوا أيديهم من هذا القذر الفكري وأن يلزموا طريق منهج الدعوة السلفية (التوحيد ـ الاتباع ـ التزكية) (العلم ـ العمل ـ الدعوة ـ الصبر ـ نفع المسلمين) , كما أدعو أحبتي المشايخ ــ حفظهم الله ــ الذين لم يشاركوا في هذا الإثم أن يعلنوا كلمة الحق؛ ليعلم شباب دعوتنا ــ حفظهم الله وبارك الله فيهم ــ أن من مشايخهم من يلزم منهج الدعوة ولا يُصْرَفُ عنها, أدعو الجميع أن يغتنموا هذه الفرصة وألاّ يضيعوها, فالمجرمون ماضون في مخططهم, ولن يمكنونا من الأمر حتى نترك ديننا, وعندها يرضون عنا, يجب علينا أن نلزم مواقعنا وأن نحافظ على ثغورنا وحصوننا, ومن أراد أن يزاحم العلمانيين فليزاحمهم وفق السنن الشرعية من تعليم الأمة، وجهادهم بالحجة والبرهان, ومن أراد أن يرفع سقف المزاحمة إلى البرلمان ــ وهذا من باب الإلزام والتنزل!!
إننا لم نصنع شيئا ولم نقدم شيئا, وها هي ذي مظاهراتنا لم تغير من الأمر شيئا, بل إن زخم الإجرام قد كشر عن أنيابه ورتب صفوفه ليعتد بباطله وانتفاشه, وليضرم النار في البلاد بأوراق هي جاهزة كورقة "الأقباط النصارى" أو ورقة "النوبة" أو غيرها من الأوراق, وقد تم ذلك بتجاربَ ثبت عجز السلفيين السياسيين عن فعل أي إيجابية في الاتجاه الصحيح، كما ألمحت في مقالتي السابقة الموسومة بـ "نصيحة ما قبل الطوفان", أين الأخوات الأسيرات في الأديرة والكنائس؟ أين وعد المجلس العسكري بالإفراج عن الأسيرات يوم (25/ 5/2011 مـ) وإلى اليوم لم يتم شئ!! بل قد سُجِن المدافعون عن الأسيرات حتى تاريخه!! وبدلا من جمع الشباب السلفي على المنهج وتعليم الدين جُمع الشباب على الحزب والعمل السياسي! وأصبح الولاء والبراء الآن على الحزب, وصار المشايخ ــ سامحهم الله ــ يطوفون الآفاق لا للدعوة إلى الله لكن للدعوة إلى الحزب، فانقلبوا من دعاة إلى مُحَزَّبين مُحَزِّبين (بفتح الزاي المشددة وكسرها) ... . فاللهَ اللهَ يامشايخ السلفية السياسية، فلكم في القلب منزلة, ونظن فيكم من الخير والفضيلة الكثير الكثير, ووالله تراجعكم عن هذا اللعب والظن واللهو والتخوض في مال المسلمين لهو أليق بكم وبجلالتكم وفضيلتكم ومكانتكم التي هي في القلب عظيمة, والعود أحمد, أ. ه.