فهرس الكتاب
كثرت في الآونة الأخيرة على ألسنة الإسلاميين البرلمانين ترديد عبارات العلمانيين وألفاظهم، مداهنة لهم وإرضاءً لمن له السلطة والهيمنة، وادعاء للوسطية، والتفهم .. لكن مشكلة هؤلاء القوم ان كثيرًا منهم كأهل النفاق، فهم مع أهل الإسلام بوجه ومع أهل الإلحاد بوجه، فتراهم يتكلمون عن الدولة المدنية بالمرجعية الإسلامية، ويتكلمون عن الديمقراطية وسلطة الشعب، أو الديمقراطية الإسلامية المقيدة بالشريعة، أو عن الليبرالية وحرية التعبير بوصف أن الإسلام حث عليها .. حتى إذا كان السؤال منا - أهل الإسلام - قالوا: والله ما نقصد الكفر ولا نقصد المعاني التي تعرفون إنما نقولها نقصد بها كذا وكذا من المفاهيم المباحة في الإسلام .. وإذا كانوا مع أهل الإلحاد لا تستطيع التفريق بينهم وبين أهل الإلحاد إلا اللهم باللحية، أو بالمسميات الإسلامية.
هذه البدعة الخطيرة التي تهدم الدين وأصوله وتفتح الباب على مصراعيه للعلمانية لكي تغزو الإسلام من داخله .. هي من طوام العصر ونوازل الدهر الجسيمة، ولولا أن الله - عز وجل - قد تعهد بحفظ دينه لقلنا أن الإسلام مهدد بالزوال بسبب هذه البدعة، ولولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد وعدنا أنه ستظل طائفة منصورة قائمة بأمر ربها لا يضرها من خذلها ولا من خالفها .. لقلنا أن أهل الإسلام كلهم في سبيلهم إلى العلمانية وإنكار الدين
أولًا: إن المصطلحات والمفاهيم تظل على معناها المتعارف به عند الجماهير الغفيرة من البشر وإن قصد قائلها ما يقصد من التورية والمداراة والتلاعب باللفظ، فهي تفهم على معنى واحد ولا يعتد بما يداريه أو يواريه القائل فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (( كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما فصلا يفهمه كل من سمعه ) )هذه المصطلحات هي مصطلحات كفرية، معلوم معناها عند جميع البشر كمصطلحات الديمقراطية والليبرالية والعلمانية والوطنية والمدنية، كل دول العالم تعرف معناها، وينصون على قصد واحد في دساتيرهم لها، ولا يعرفون غير هذه المقاصد .. حتى الدول العربية تنص في دساتيرها على معاني هذه المصطلحات بالتفصيل، هذا كله يجعلنا نقول أن تفريغ هذه المصلحات من معانيها ومفاهيمها أمرٌ باطل عقلًا وشرعًا .. فمثلًا الديمقراطية، الديمقراطية يجب أن تكون السيادة المطلقة فيها للشعب لو قيدت فليست سيادة الشعب بل سيادة المقيد، تأمل معي أنه لابد من واحد يعلو على الآخر إما حكم الإسلام هو المقيد لحكم الشعب فكل حكم يخالف الإسلام فهو باطل!! وبهذا لا تصبح ديمقراطية بل تكون إسلاموقراطية!! [7] وإما أن تكون السيادة للشعب وحده كما تنص دساتير جميع الدول الديمقراطية!! فهي الديمقراطية، فلا يصح أن أقول أن الديمقراطية تعني حكم الإسلام هكذا من رأسي!! أو أنزع عن الديمقراطية أهم صفاتها ولوازمها ثم اصنع لها تعريفًا خاص بي!! إذا نزعت منها هذه الأمور فلن تكون ديمقراطية حتى أرسطو وأفلاطون ورسو لم يخطر ببالهم هذا، هم على طرفي نقيض إما إسلام وإما ديمقراطية إما سيادة الشعب أو سيادة الرب، إما حكم الله أو حكم الشعب إما أن يكون (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ، أو يكون إلى الشعب والبرلمان، إما أن يكون (إن الحكم إلا لله) أو يكون للشعب، وانظر إلى الليبرالية .. وإطلاقها للحريات بلا تقييد .. يعني لا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر ولا حد للردة ولا حد للزنا ولا حرمة للواط طالما في الأطر الخصوصية، لا حد للخمر، لا، لا، لا، لأمور شتى من أصول الشريعة .. وفي المجتمع لا لذكورية المجتمع، ولا فضل لمسلم على غيره طالما في قطر واحد للجميع أن يتولى أي ولاية وهم في الحقوق متساوون، ولا لحكم الدين والأعراف في المجتمع فمرجعيتنا هو ما اخترناه لأنفسنا كما قال روسو، هذه هي الليبرالية حقيقة كيف يمكن الجمع بينها وبين الإسلام!! أو تقيدها بالإسلام!! إن هذا يقتضي إلغاء أحد الطرفين إما أن يكون إسلامًا أو ليبرالية ويستحيل عقلًا الجمع بينهم، يقول الدكتور عبدالعزيز مصطفى كامل (( لكن الولايات المتحدة وهي تشن حربها على الأمة الإسلامية من خلال هذه المحاور؛ لا تغفل عن شن حربها " النظرية " على الإسلام نفسه بوصفه دينًا، وتريد تغييره وتبديله، كما غير النصارى وبدلوا في دينهم {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89] ولذلك صرنا نسمع عن " الإسلام المعتدل "، ونقرأ عن " الإسلام المدني الديمقراطي " ونتابع الخطط عن نشر " الإسلام الليبرالي " وأخيرًا تجرؤوا وقالوا " الإسلام العلماني "!!
إن تلك الحرب المسعورة على الإسلام - لحساب الليبرالية - تهدف إلى نقضه عروة عروة، وذلك من خلال ثورة " الليبراليين الجدد " التي تتفرع إلى ثورة على العقيدة، وثورة على الشريعة وثورة على الأخلاق. فكل ثوابت العقيدة من أمور التوحيد والعبودية والحاكمية والولاء والبراء ومفاصلة الأعداء؛ يناقضها الفكر الليبرالي من البداية إلى النهاية، والليبرالية ثورة أيضًا على محكمات الشريعة فيما يتعلق بالتشريع، والتقنين، وقضايا المرأة، والجهاد، والحسبة، والحدود، وإقامة الشرائع والشعائر، كما أنها ثورة على الأخلاق والقيم والتراث والتاريخ )) فواضح وضوح الشمس في كبد السماء أن الجمع بين هذا المصطلح والإسلام هو هدم للإسلام نفسه فضلًا عن أنه مستحيل عقلًا أن تكون هناك ليبرالية إسلامية هذا محال قطعًا، وكذا العلمانية التي هي في أصلها كفر بكل دين وخصوصًا الإسلام لما يتمتع به من خصائص تشريعية تمنع الزناة واللوطين والشواذ فطريًا من ممارسة شذوذهم الفكري والعقدي والأخلاقي، هي في أصل تعريفها كما أوضحنا تعني لا