فهرس الكتاب
وقال السعدي (( كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين: {رَاعِنَا} أي: راع أحوالنا، فيقصدون بها معنى صحيحا، وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا، فانتهزوا الفرصة، فصاروا يخاطبون الرسول بذلك، ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، سدًا لهذا الباب، ففيه النهي عن الجائز، إذا كان وسيلة إلى محرم، وفيه الأدب، واستعمال الألفاظ، التي لا تحتمل إلا الحسن، وعدم الفحش، وترك الألفاظ القبيحة، أو التي فيها نوع تشويش أو احتمال لأمر غير لائق، فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال: {وَقُولُوا انْظُرْنَا} فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور ) ).
فإذا كانت هذه " الكلمة المباحة " أنزل فيها قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة يحرمها لأنها تفضي إلى منكر، فما بالكم بكلمة هي في الأصل كفر!! ورد لشرع الله، وتأليه للبشر ونشر للكفر؟! يحارب بها الإسلام وأهله؟؟!
رابعا: إن الله - عز وجل - نهانا عن مداهنة الكفار وممايلتهم فقال: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} قال القرطبي رحمه الله: (( نهاه عن ممايلة المشركين، وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر. وقال تعالى:(وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) [الاسراء: 74] )).
قال الإمام البقاعي في تفسيره (( {لو تدهن} أي تلاين فتوافق على بعض ما يريدون فتهادنهم على ترك نهيهم عن الشرك وترك التعرض لسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم ) ).
انظروا رحمكم الله إلى حرص الإسلام على المفاصلة مع الكفار ووضوح رؤيته، ووضوح الحق واستبانة سبيل المجرمين من سبيل الكافرين .. انظروا إلى أن مجرد ملاينتهم وترك نهيهم عن الكفر عده الإسلام ولاء لهم!! .. فإذا كان هذا ولاء مع إنكاره بين المسلمين، فماذا يكون من يجاهر بمدح كفرهم!! من يمدح العلمانية ليحصل على كرسي في البرلمان .. وإن ظن أنه بهذا يحقق مصلحة الإسلام، كلا والله إنه ليهدم الدين هدمًا، إن مشكلة هؤلاء المدافعين عن الديمقراطية .. أو المتمسحين بالمدنية الحديثة، أنهم يهدمون دولة الإسلام من عقول المسلمين، حتى إذا وصلنا لوضع معوج ظن الناس أن هذا مراد الله، يهدمون دولة الإسلام من وجدان العباد، فإما تكون مجرد خيال غير قابل للتحقيق، أو أنها فعلًا دولة مدنية .. هؤلاء الذين يمدحون العلمانية اليوم!! أو يتمسحون بالديمقراطية ماذا سيقولون للناس فيما بعد .. إما أن يقولوا كنا نكذب عليكم؟! أو يقبلون أن يجمعوا فعليًا بين الديمقراطية والإسلام .. وهذا عين الكفر، إن كينونة الإسلام وقوته تكمن في وضوحه ووضوح غايته وأهدافه، وهي الحقيقة التي لم يسمح رب العزة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يخفيها في أحلك الظروف إذ قال له: (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) .. يا أيها الكافرون لكم دينكم ولي دين، أنتم في واد ونحن في واد آخر، هذه الحقيقة التي يستحيل أن يرضى الإسلام بالتشويش عليها لأنها أصله وكينونته الإيمان بالله والكفر بكل ما سواه، إن هؤلاء الذي يمايلون العلمانيين والديمقراطيين والحكام الظالمين للحصول على مكاسب للإسلام أو لأشخاصهم هم واهمون لا أقول لهم إلا كما قال ربنا: {أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} ، لن ينصر الله إلا من ينصره، فإن اتكلتم على الحيل والذكاء ووضعتم كتاب الله خلف ظهوركم أوكلكم الله لأنفسكم.
خامسا: إن استخدام هذه المصطلحات فيه إضلال للعوام، وإضلال العوام غير جائزٍ بإجماع ولو تحت الإكراه قولًا واحدًا .. قال عز من قائل: (( وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) )قال القرطبي رحمه الله: (( روى سعيد عن قتادة في قوله:" وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ" [البقرة: 42] ، يقول: لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وقد علمتم أن دين الله- الذي لا يقبل غيره ولا يجزئ إلا به- الإسلام وأن اليهودية والنصرانية بدعة وليست من الله ) ). اهـ
وأنا أقول لكم لا تلبسوا العلمانية والإلحادية والوطنية والديمقراطية والأديان الشركية بالإسلام فالله لا يقبل غيره .. انظروا كم يضل من المسلمين بسبب تلبيسكم هذا؟؟! لا أكون مبالغًا إن قلت أنهم ملايين!! أين هي المصالح والمفاسد من ضرورة حفظ الدين .. من يحمل ذنب الملايين الذين أضلهم هؤلاء بكلامهم هذا؟؟ .. اسأل الناس عن مصطلح الديمقراطية والله لتجد من الناس مدحًا فيه، يتحمل جزء كبير منه هؤلاء القوم الذين يثنون على الديمقراطية ويعلنون الالتزام بنتائجها، وأنها الحكم بيننا وبين العلمانيين، وأن مصر ستكون دولة مدنية حديثة ويكتبون هذا في برامجهم ويقولونه في الإعلام وغيره، والله إن هذا من الصد عن سبيل الله يقول الشيخ سعيد عبد العظيم في رده على من يستخدم لفظ الديمقراطية في الإسلام أو غيرها من المصطلحات التي تؤدي هذا المعنى: (( بل وخرج بعض من ينتسب للعمل الشرعي يهتف هو الآخر بالديمقراطية الإسلامية، وطالما أن في الإسلام شورى إذًا فالديمقراطية نظام إسلامي، ولا مانع من إضافة هذه الكلمة للإسلام، كما أضيفت من قبل