فهرس الكتاب
فالآثار المذكورة إنما تدل على إثبات القدر السابق، وبعضها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم، وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وأما مخاطبتهم واستنطاقهم وإقرارهم له بالربوبية وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية فمن قاله من السلف فإنما هو بناء منه على فهم الآية، والآية لم تدل على هذا بل دلت على خلافه.
وعلى كل تقدير فهذه الآية لا تدل على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقًا مستقرًا، وإنما غايتها أن تدل على إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذر، واستنطاقهم ثم ردهم إلى أصلهم إن صح الخبر بذلك، والذي صح إنما هو إثبات القدر السابق وتقسيمهم إلى شقي وسعيد، وأما استدلال أبي محمد بن حزم بقوله تعالى: [وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ] [1] .
فما أليق هذا الاستدلال بظاهريته لترتيب الأمر بالسجود لآدم على خلقنا وتصويرنا،والخطاب للجملة المركبة من البدن والروح،وذلك متأخر عن خلق آدم، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: = [وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ] يعني آدم [ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ] لذريته+.
ومثال هذا ما قاله مجاهد: [وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ] يعني آدم و [صَوَّرْنَاكُمْ] في ظهر آدم، وإنما قال: [خَلَقْنَاكُمْ] بلفظ الجمع وهو يريد آدم كما تقول ضربناكم، وإنما ضربت سيدهم.
واختار أبو عبيد في هذه الآية قول مجاهد لقوله تعالى بعد: [ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا] وكان قوله تعالى للملائكة اسجدوا قبل خلق ذرية آدم وتصويرهم في الأرحام، وثم توجب التراخي والترتيب.
(1) ـ الأعراف: 11.