فهرس الكتاب
فيقال: هب أنه منعها من شعورها به على التفصيل والكمال، فهل يمنعها عن أدنى شعور بوجه ما مما كانت عليه قبل تعلقها بالبدن، ومعلوم أن تعلقها بالبدن لم يمنعها عن الشعور بأول أحوالها وهي في البدن، فكيف يمنعها من الشعور بما كانت عليه قبل ذلك.
وأيضًا فإنها لو كانت موجودة قبل البدن لكانت عالمة حية ناطقة عاقلة، فلما تعلقت بالبدن سلبت ذلك كله، ثم حدث لها الشعور والعلم والعقل شيئًا فشيئًا، وهذا لو كان لكان من أعجب الأمور أن تكون الروح كاملة عاقلة ثم تعود ناقصة ضعيفة جاهلة، ثم تعود بعد ذلك إلى عقلها وقوتها فأين في العقل والنقل والفطرة ما يدل على هذا؟ وقد قال الله تعالى: [وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] [1] ، فهذه الحال التي أخرجنا عليها هي حالنا الأصلية، والعلم والعقل والمعرفة، والقوة طارىء علينا حادث فينا بعد أن لم يكن، ولم نكن نعلم قبل ذلك شيئًا البتة إذ لم يكن لنا وجود نعلم ونعقل به.
فلو كانت مخلوقة قبل الأجساد وهي على ما هي عليه الآن من طيب وخبث، وكفر وإيمان، وخير وشر لكان ذلك ثابتًا لها قبل الأعمال، وهي إنما اكتسبت هذه الصفات والهيئات من أعمالها التي سعت في طلبها، واستعانت عليها بالبدن فلم تكن لتتصف بتلك الهيئات والصفات قبل قيامها بالأبدان التي بها عملت تلك الأعمال.
(1) ـ النحل: 78.