فهرس الكتاب
وقد جعل الله لكل دار أحكامًا تخصها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها؛ فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعًا.
قال شارح الطحاوية ×:=فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم+ [1] .
ويشبه ذلك في الدنيا حال النائم، فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجري على روحه أصلًا والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرًا مشاهدًا، فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه، ويرى أنه أكل أو شرب فيستيقظ ويجد أثر الطعام والشراب في فيه، ويذهب عنه الجوع والعطش، وهكذا إذا كان هذا معلومًا لنا في الدنيا فأمر البرزخ أعظم وأعجب، وهذا مما اختص الله بعلمه.
فالدار الأولى: هي دار الدنيا التي خلق الله العباد للعيش فيها، فأرسل لهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، حتى تقوم حجة الله عليهم، وهي الدار التي ذكرها الله لنا في كتابه، قال تعالى: [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا] [2] ، [وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ] [3] .
وقال أيضًا: [يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ...] [4] أي التي يعيش فيها الناس الوقت الذي حدده الله لهم فيها.
(1) ـ شرح الطحاوية في العقيدة السلفية (2 /480) .
(2) ـ الملك: 2.
(3) ـ العنكبوت: 64.
(4) ـ غافر: 39.