الصفحة 630 من 891

ثم أكد الأمر بحجة قاهرة، وبرهان ظاهر يتضمن جوابًا عن سؤال ملحد آخر يقول: العظام إذا صارت رميمًا، عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لابد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة، بما يدل على أمر البعث، ففيه الدليل والجواب معا، فقال: [الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ] [1] فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتليء بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده، وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه، هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم، ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجلِّ الأعظم، على اليسير الأصغر؛ فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل، فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر، فقال: [أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ..] [2] فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض، قادر على أن يحيي العظام وقد صارت رميما، فيردها إلى حالتها الأولى، ثم ختم _ سبحانه وتعالى _ هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله وقوله: [وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] [3] ، ومن هذا قوله سبحانه: [أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى] [4] ، فاحتج سبحانه على أنه لا يتركه مهملًا عن الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك أشد الإباء، كما قال تعالى: [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ] [5]

(1) ـ يس: 80.

(2) ـ يس: 81.

(3) ـ يس: 83.

(4) ـ القيامة: 36ـ 40.

(5) ـ المؤمنون: 115..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت