فهرس الكتاب
ومع ذلك، فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته [1] . وهو سبحانه يحب
المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات،
ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعبادة الكفر، ولا يحب الفساد [2] .
(1) فائدة: لا حجة للعاص بالقدر أو فعل المحرمات بل الحجة لله تعالى عليه فإن الله تعالى قد فطر الناس على التوحيد، ووهب العقول، وشرع الشرائع، وأرسل الرسل وتم البلاغ والبيان وأبلغ في الأعذار إذ تقدم بالإنذار فحجة الله تعالى قائمة على خلقه وحجتهم داحضة عند ربهم لوجوه: الأول: أن الله الله تعالى على الشرك به قائلين { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } بأنهم كذبوا كما كذب الذين من قبلهم وبأنهم ليس لهم علم فيخرجوه إن يتبعون إلا الظن وإنهم إلا يخرصون. فلو كان لهم حجة ما أذاقهم الله بأسه. الثاني: أن الحجة زالت بإرسال الرسل قال تعالى { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} ولو كان القدر
حجة للمخالفة لم تنتفي بإرسال الرسل لأن المخالفة
بعد إرسالهم واقعة بقدر الله تعالى. الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالعمل ونهى عن الإتكال والكسل
فقال «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» . = ... الرابع: أن الله تعالى أمر العباد
ونهاهم وأخبر سبحانه أنه لا يكلف
نفسًا إلا وسعها ولو كان العبد مجبورًا على الفعل لكان مكلفًا بما لا يستطيع وهذا باطل. الخامس: أن قدر الله تعالى سر مغيب لا يعلم به إلا بعد وقوع المقدور لَا يُسْأَلُ وسعيه يَفْعَلُ سابقان يُسْأَلُونَ (23) مبنيان على
علم منه بقدر الله فكيف يحتج بما لا يعلم.
(2) فائدة: يوضح
أمر القدر ويجليه ويزيل اللبس عنه وفيه: أن يعلم العبد أن الله تعالى
بعلمه وحكمته وقوته وقدرته ولطفه ورحمته وشمول مشيئته قد جعل للمسببات أسبابًا تنال بها وللمقاصد طرقًا ووسائل تحصل بها وقرر هذا في الفطر السليمة والعقول الصحيحة والشرائع الحكيمة ثم نفذ هذا في الواقع فأعطى وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا به ثم هداه لما إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) والتصرفات المتنوعة وبنى أمور الدنيا لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29) والخلق واللطف والرحمة، وأشهد العباد أنه بهذا التنظيم الدقيق والتصريف الحكيم والتيسير العجيب قد وجه العاملين إلى أعمالهم ونشطهم على أشغالهم وأزال الهموم والأوهام عنهم ونهاهم عن العجز والكسل، وأمرهم بالجد في العمل وجههم على الحرص على ما ينفعهم والاستعانة به وترك اللوم والتحرش على القدر. بالقدر لا ينافي الأسباب فإن الأسباب من قدره الله وربط المسببات بأسبابها هو من أعظم وأجل صفاته والتي أثبتها الله تعالى لنفسه في مواضع من كتابه. والأسباب: ـ جمع سبب ـ
وهي كل حادث رتب الله تعالى عليه أثرًا،
وهي نوعان: أحدهما: الأسباب القدرية وهي كل حادث مؤثر بقضاء الله وقدره. ومن أمثلتها قوله تعالى { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } ، فجعل الرياح سببًا لإثارة السحاب الذي يكون به الغيث «وكجعل الماء سببًا للحياة، والنار سببًا للإحراق» . الثاني: أسباب شرعية وهي
كل فعل مطلوب من العبد وهو ما رتب الله عليه ثوابًا أو عقابًا. فهو
سبب وَكُلُّ صَغِيرٍ الاعتبار. مُسْتَطَرٌ (53) قدري باعتبار وقوعه بقضاء الله وقدره. فائدة: في الأسباب: من المتفق عليه لدى الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم
على هداهم أن الله تعالى قد علم الأشياء ما هي عليه وقد جعل لها أسبابًا تكون بها، وعلم أنها تكون بتلك الأسباب بإذنه، فرتب سبحانه المسببات على أسبابها في الجملة وقد لا يأذن سبحانه للسبب أن يترتب عليه مسببه لحكمة أرادها كما لم يترتب على النار إحراق إبراهيم - عليه السلام - ولا
للحوت هضم يونس - عليه السلام - ولا للسكين ذبح إسماعيل - عليه السلام - ولكن لابد للعاقل المكلف من تعاطي ما شرعه الله وأباحه من الأسباب التي تحصل بها المقاصد من الدعاء لرفع البلاء
والسؤال لتحصيل الحاجة الله تعالى وترك المعاصي والمخالفات إتقاءًا للعقوبات المترتبة عليها والسكوت عن الكلام بظن السوء بالله تعالى
فإن البلاء موكل بالمنطق فلا ينال العبد شيئًا إلا بما قدره الله له من الأسباب والله تعالى وحده خالق أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ الأسباب أمر كِتَابٍ قدري ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٍ (70) فإنه تابع لعلم الله وحكتنه. مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي الأسباب مِنْ بالشرع أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ وموافقة عَلَى اللَّهِ فالعاقل (22) الأسباب ويتكل على رب الأرباب فلا السبب يكفي وحده ولا الرجاء بدون سبب مع الأمكان
يكفي وحده. فمحو الأسباب
ـ أن تكون أسبابًا قدح في الشرع والأعراض عن الأسباب في العقل. والاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد بل لابد من تمام الشروط وانتفاء الموانع ووجود المحل القابل بحيث يتعرف على الأسباب الشرعية والقدرية التي يتوصل بها إلا تحصيل المقصود ويتعاطى
ما أمكن منها في حصول المطلوب ويؤمن أن الشيء بغير الله
تعالى لا يكون وأن كل كائن
فهو بقضاء الله تعالى وقدره. وإذا كان هذا في أمور الدنيا أظهر فإن أمور الآخرة أعظم فإن الله تعالى جعل العلم النافع
والعمل الصالح واجتناب السيئات
والتوبة إلى الله من الزلات، والإحسان إلى الخلق، أسبابًا موجبات للسعادة في الآخرة. فائدة: الناس في القول بتأثير المسببات في أسبابها أقسام: الأول: طائفة أنكروا تأثير الأسباب وجعلوها مجرد علامات يحصل الشيء
عندها لا بها فخالفوا الشرع وكابروا الحس وأنكروا حكمة الله
تعالى في ربط المسببات بأسبابها ومن هؤلاء طائفة الأشعرية أتباع أبي الحسن الأشعري .. الثاني: طائفة غلوا
في إثبات تأثير الأسباب في مسبباتها حتى زعموا أنها مؤثرة فيها بذاتها فأشركوا في ربوبية الله تعالى حيث جعلوها موجدة مع الله تعالى فخالفوا الشرع والحس وإجماع الأمة أنه لا خالق إلا الله ومن المعلوم بالشاهد المحسوس فَلَا وَرَبِّكَ قد يُؤْمِنُونَ شَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَاءَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) للأسباب تأثيرًا في مسبباتها لكن لا بذاتها بل بما أودع الله تعالى فيها من القوى الموجبة وبعد
مشيئة الله تعالى وإذنه الكوني = والقدري فهؤلاء وفقوا للصواب وجمعوا بين الشرع والعقل والحس فكانوا أمة وسطًا مهدبين إلى صراط الله المستقيم.